الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٦٢ - ١٨٢٧- رجع القول إلى تفسير قصيدة البهراني
و أما ما ذكرتم من شعر هذا الضّبّي، فإنّ الضّبّي مخضرم.
و زعمتم أنّكم وجدتم ذكر الشّهب في كتب القدماء من الفلاسفة، و أنّه في الآثار العلوية لأرسطاطاليس، حين ذكر القول في الشّهب، مع القول في الكواكب ذوات الذوائب، و مع القول في القوس، و الطّوق الذي يكون حول القمر بالليل. فإن كنتم بمثل هذا تستعينون، و إليه تفزعون، فإنّا نوجدكم من كذب التّراجمة و زيادتهم، و من فساد الكتاب، من جهة تأويل الكلام، و من جهة جهل المترجم بنقل لغة إلى لغة، و من جهة فساد النّسخ، و من أنه قد تقادم فاعترضت دونه الدّهور و الأحقاب، فصار لا يؤمن عليه ضروب التّبديل و الفساد. و هذا الكلام معروف صحيح.
و أما ما رويتم من شعر الأفوه الأوديّ فلعمري إنّه لجاهليّ، و ما وجدنا أحدا من الرّواة يشكّ في أن القصيدة مصنوعة. و بعد فمن أين علم الأفوه أنّ الشهب التي يراها إنما هي قذف و رجم، و هو جاهليّ، و لم يدّع هذا أحد قطّ إلا المسلمون؟فهذا دليل آخر على أن القصيدة مصنوعة.
١٨٢٧-[رجع القول إلى تفسير قصيدة البهراني]
ثم رجع بنا القول إلى تفسير قصيدة البهرانيّ[١]:
و أما قوله: [من الخفيف]
٢٨- «جائبا للبحار أهدي لعرسي # فلفلا مجتنى و هضمة عطر
٢٩-و أحلّي هرير من صدف البحـ # ر و أسقي العيال من نيل مصر»
فإن الناس يقولون: إن السّاحر لا يكون ماهرا حتّى يأتى بالفلفل الرّطب من سرنديب. و هريرة: اسم امرأته الجنّيّة.
و ذكر الظّبي الذي جعله مركبه إلى بلاد الهند، فقال:
٣٠- «و أجوب البلاد تحتي ظبي # ضاحك سنّه كثير التّمرّي
٣٢-مولج دبره خواية مكو # و هو باللّيل في العفاريت يسري»
يقول: هذا الظّبي الذي من جبنه و حذره، من بين جميع الوحش، لا يدخل حراه[٢]إلا مستدبرا، لتكون عيناه تلقاء ما يخاف أن يغشاه هو الذي يسري مع العفاريت باللّيل ضاحكا بي هازئا إذا كان تحتي.
[١]تقدمت القصيدة ص ٣٥٨-٣٦٠.
[٢]الحرا: مأوى الظبي.