الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥٨٦
الجميع. فإذا كان قد صحّ أنّه إنّما عنى البعض فقد عنى نجوم المجرّة، و النجوم التي تظهر في ليالي الحنادس؛ لأنّه محال أن تقع عين على ذلك الكوكب بعينه في وقت زواله حتّى يكون اللّه عزّ و جلّ لو أفنى ذلك الكوكب من بين جميع الكواكب الملتفّة، لعرف هذا المتأمّل مكانه، و لوجد مسّ فقده. و من ظنّ بجهله أنّه يستطيع الإحاطة بعدد النّجوم فإنه متى تأمّلها في الحنادس، و تأمّل المجرّة و ما حولها، لم يضرب المثل في كثرة العدد إلاّ بها، دون الرّمل و التّراب و قطر السّحاب.
و قال بعضهم: يدنو الشّهاب قريبا، و نراه يجيء عرضا لا منقضّا و لو كان الكوكب هو الذي ينقضّ لم ير كالخيط الدّقيق، و لأضاء جميع الدّنيا، و لأحرق كلّ شيء مما على وجه الأرض. قيل له: قد تكون الكواكب أفقيّة و لا تكون علوية؛ فإذا كانت كذلك فصل الشّهاب منها عرضا. و كذلك قال اللّه تعالى: إِلاََّ مَنْ خَطِفَ اَلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهََابٌ ثََاقِبٌ [١]و قال اللّه عزّ و جلّ: أَوْ آتِيكُمْ بِشِهََابٍ قَبَسٍ [٢] فليس لكم أن تقضوا بأنّ المباشر لبدن الشيطان هو الكوكب حتى لا يكون غير ذلك، و أنتم تسمعون اللّه تعالى يقول: فَأَتْبَعَهُ شِهََابٌ ثََاقِبٌ [١]و الشّهاب معروف في اللغة، و إذا لم يوجب عليها ظاهر لفظ القرآن لم ينكر أن يكون الشّهاب كالخطّ أو كالسهم لا يضيء إلاّ بمقدار، و لا يقوى على إحراق هذا العالم. و هذا قريب و الحمد لله.
و طعن بعضهم من جهة أخرى فقال: زعمتم أنّ اللّه تبارك و تعالى قال:
وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطََانٍ مََارِدٍ. `لاََ يَسَّمَّعُونَ إِلَى اَلْمَلَإِ اَلْأَعْلىََ وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جََانِبٍ. `دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذََابٌ وََاصِبٌ [٣]و قال على سنن الكلام: إِلاََّ مَنْ خَطِفَ اَلْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهََابٌ ثََاقِبٌ [٤]قال: فكيف تكون الخطفة من المكان الممنوع؟ قيل له: ليس بممنوع من الخطفة، إذ كان لا محالة مرميّا بالشّهاب، و مقتولا، على أنّه لو كان سلم بالخطفة لما كان استفاد شيئا للتكاذيب و الرّئاسة. و ليس كلّ من كذب على اللّه و ادّعى النبوّة كان على اللّه تعالى أن يظهر تكذيبه، بأن يخسف به الأرض، أو ينطق بتكذيبه في تلك السّاعة. و إذا وجبت في العقول السّليمة ألاّ يصدق في الأخبار لم يكن معه برهان. فكفى بذلك.
[١]١٠/الصافات: ٣٧.
[٢]٧/النمل: ٢٧.
[٣]٧-٩/الصافات: ٣٧.
[٤]١٠/الصافات: ٣٧.