الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٢٧ - ١٨٠٠- سكنى الجن أرض وبار
يتصوّرون في أقبح الصّور إذا حضروا لقبض أرواح الكفار، و كذلك في صور منكر و نكير، تكون للمؤمن على مثال، و للكافر على مثال.
و نحن نعلم أنّ الكفار يزعمون أنهم لا يتوهّمون الكلام و المحاجّة من إنسان ألقي في جاحم أتّون فكيف بأن يلقى في نار جهنّم؟!فالحجّة على جميع هؤلاء، في جميع هذه الأبواب، من جهة واحدة. و هذا الجواب قريب. و الحمد للّه.
و شقّ فم العنكبوت بالطول. و له ثماني أرجل.
١٨٠٠-[سكنى الجن أرض وبار]
و تزعم الأعراب أن اللّه عزّ ذكره حين أهلك الأمة التي كانت تسمّى وبار، كما أهلك طسما، و جديسا، و أميما، و جاسما، و عملاقا، و ثمودا و عادا-أنّ الجنّ سكنت في منازلها و حمتها من كلّ من أرادها، و أنّها أخصب بلاد اللّه، و أكثرها شجرا، و أطيبها ثمرا، و أكثرها حبّا و عنبا، و أكثرها نخلا و موزا. فإن دنا اليوم إنسان من تلك البلاد، متعمّدا، أو غالطا، حثوا في وجهه التراب، فإن أبى الرّجوع خبلوه، و ربّما قتلوه.
و الموضع نفسه باطل. فإذا قيل لهم: دلّونا على جهته، و وقّفونا على حدّه و خلاكم ذمّ-زعموا أنّ من أراد ألقي على قلبه الصّرفة، حتّى كأنهم أصحاب موسى في التّيه. و قال الشاعر[١]: [من الطويل]
وداع دعا و اللّيل مرخ سدوله # رجاء القرى يا مسلم بن حمار
دعا جعلا لا يهتدي لمقيله # من اللؤم حتّى يهتدي لوبار
فهذا الشاعر الأعرابيّ جعل أرض وبار مثلا في الضلال. و الأعراب يتحدّثون عنها كما يتحدّثون عمّا يجدونه بالدّوّ و الصّمّان، و الدهناء، و رمل يبرين. و ما أكثر ما يذكرون أرض وبار في الشّعر، على معنى هذا الشاعر[٢].
قالوا: فليس اليوم في تلك البلاد إلاّ الجنّ، و الإبل الحوشيّة.
[١]تقدم البيتان في ٥/٢١٦.
[٢]من ذلك قول أبي النجم:
(حذار من أرماحنا حذار # أو تجعلوا دونكم وبار)
و قول الأعشى:
(و كرّ دهر على وبار # فهمدت جمهرة وبار)
انظر ما بنته العرب على فعال ٥٠-٥١.