الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٢٧ - ١٦٧٥- زعم إياس بن معاوية في الشبّوط
يعدّون القول في باب الفعل، و كلّما كان الخبر أغرب كانوا به أشدّ عجبا، مع عبارة غثّة، و مخارج سمجة.
و فيه عيب آخر: و هو أنّ معه من الطّول و الكثرة ما لا تحتملونه، و لو غنّاكم بجميعه مخارق، و ضرب عليه زلزل، و زمر به برصوما، فلذلك لم أتعرّض له.
و قد أكثر في هذا الباب أرسطاطاليس، و لم أجد في كتابه على ذلك من الشّاهد إلاّ دعواه.
و لقد قلت لرجل من البحريّين: زعم أرسطاطاليس أنّ السّمكة لا تبتلع الطّعم أبدا إلاّ و معه شيء من ماء، مع سعة المدخل، و شرّ النفس. فكان من جوابه أن قال لي: ما يعلم هذا إلاّ من كان سمكة مرّة، أو أخبرته به سمكة، أو حدّثه بذلك الحواريّون أصحاب عيسى، فإنهم كانوا صيّادين، و كانوا تلامذة المسيح.
و هذا البحريّ صاحب كلام، و هو يتكلّف معرفة العلل. و هذا كان جوابه.
و لكني لن أدع ذكر بعض ما وجدته في الأشعار و الأخبار، أو كان مشهورا عند من ينزل الأسياف[١]و شطوط الأودية و الأنهار، و يعرفه السّمّاكون، و يقرّ به الأطبّاء- بقدر ما أمكن من القول.
١٦٧٥-[زعم إياس بن معاوية في الشبّوط]
و قد روى لنا غير واحد من أصحاب الأخبار، أنّ إياس بن معاوية زعم أنّ الشّبّوطة كالبغل، و أنّ أمّها بنيّة، و أباها زجر[٢]، و أنّ من الدّليل على ذلك أنّ الناس لم يجدوا في بطن شبّوطة قطّ بيضا.
و أنا أخبرك أنّي قد وجدته فيها مرارا، و لكنّي وجدته أصغر جثّة، و أبعد من الطّيب، و لم أجده عامّا كما أجده في بطون جميع السمك.
فهذا قول أبي واثلة إياس بن معاوية المزني الفقيه القاضي، و صاحب الإزكان[٣]، و أقوف[٤]من كرز بن علقمة، داهية مضر في زمانه، و مفخر من مفاخر العرب.
[١]الأسياف جمع سيف، و هو ساحل البحر.
[٢]البنية و الزجر: ضربان من السمك، انظر ما تقدم في ٥/١٩٨.
[٣]الإزكان: الفطنة و الحدس الصادق، و انظر ما تقدم في ٥/١٢٤، السطر ٧.
[٤]أقوف: أشد قيافة. و القيافة: هي عمل القائف: و هو الذي يتتبع الآثار و يعرفها و يعرف شبه الرجل بأخيه و أبيه.