الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥٨٣ - ١٩٨٥- أشعار حسان
أن يكون صادقا. ثمّ رأيت و اللّه من صلاحه و إنابته و حسن خدمته ما دعاني إلى نسيان جميع قصّته، حتى دفعت إليه يوما ثلاثين دينارا ليوصلها إلى أهلي، فلمّا صارت إلى يده ذهب على وجهه، فلم ألبث إلاّ أيّاما حتى ردّه النّاشد، فقلت له:
زعمت أنّ الدّنانير الأولى طرّت منك، فما قولك في هذه الثانية؟قال: أنا، و اللّه أعلم أنّك لا تقبل لي عذرا، فدعني خارج الدار، و لا تجاوز بي خدمة المطبخ؛ و لو كان الضّرب يردّ عليك شيئا من مالك لأشرت عليك به، و لكن قد ذهب مالك، و الضّرب ينقص من أجرك؛ و لعلّي أيضا أموت تحت الضّرب فتندم و تأثم و تفتضح و يطلبك السلطان. و لكن اقتصر بي على المطبخ فإنّي سأسرّك فيه، و أوفره عليك. و أستجيد ما أشتريه و أستصلحه لك. و عدّ أنك اشتريتني بستّين دينارا!فقلت له: أنت لا تفلح بعد هذا!اذهب فأنت حرّ لوجه اللّه تعالى!فقال لي: أنت عبد فكيف يجوز عتقك.
قلت فأبيعك بما عزّ أو هان!فقال: لا تبعني حتّى تعدّ طبّاخا، فإنّك إن بعتني لم تتغذّ غذاء إلاّ بخبز و باقلاء. قال: فتركته و مرّت بعد ذلك أيام فبينا أنا جالس يوما إذ مرّت عليّ شاة لبون كريمة، غزيرة الدّرّ كنا فرّقنا بينها و بين عناقها فأكثرت في الثّغاء، فقلت كما يقول النّاس، و كما يقول الضّجر: اللهمّ العن هذه الشاة!ليت أنّ اللّه بعث إنسانا ذبحها أو سرقها، حتى نستريح من صياحها!قال: فلم ألبث إلاّ بقدر ما غاب عن عيني، ثمّ عاد فإذا في يده سكّين و ساطور و عليه قميص العمل، ثمّ أقبل عليّ فقال: هذا اللّحم ما نصنع به و أيّ شيء تأمرني به؟فقلت: و أيّ لحم؟قال: لحم هذه الشاة. قلت: و أيّما شاة؟قال: التي أمرت بذبحها. قلت: و أي شاة أمرت بذبحها؟ قال: سبحان اللّه!أ ليس قد قلت السّاعة: ليت أن اللّه تعالى قد بعث إليها من يذبحها أو يسرقها، فلما أعطاك اللّه تعالى سؤلك صرت تتجاهل!قال روح: فبقيت و اللّه لا أقدر على حبسه و لا على بيعه و لا على عتقه.
١٩٨٥-[أشعار حسان]
و قال مسكين الدّارميّ[١]: [من الطويل]
إنّ أبانا بكر آدم، فاعلموا # و حواء قرم ذو عثانين شارف[٢]
كأنّ على خرطومه متهافتا # من القطن هاجته الأكفّ النوادف[٣]
[١]ديوان مسكين الدارمي ٥٣.
[٢]القرم: الفحل. العثانين: جمع عثنون، و هي شعيرات طوال تحت حنك البعير. الشارف: المسن من الإبل.
[٣]المتهافت: المتطاير المتساقط.