الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٥٨٢ - أحاديث من أعاجيب المماليك
لا تحسن ما يكفيك أنت؟قال: حسبك الآن: ثم قال المثنّى للدّلاّل: امض بهذا، عليه لعنة اللّه!.
-و حدّثني ثمامة قال: جاءنا رجل بغلام سنديّ يزعم أنّه طباخ حاذق، فاشتريته منه، فلمّا أمرت له بالمال قال الرّجل: إنه قد غاب عنا غيبة، فإن اشتريته على هذا الشّرط، و إلاّ فاتركه. فقلت للسندي: أ كنت أبقت قطّ!قال: و اللّه ما أبقت قطّ!فقلت: أنت الآن قد جمعت مع الإباق[١]الكذب!قال: كيف ذلك؟قلت: لأنّ هذا الموضع لا يجوز أن يكذب فيه البائع. قال: جعلني اللّه تعالى فداءك!أنا و اللّه أخبرك عن قصّتي: كنت أذنبت ذنبا كما يذنب هذا و هذا، جميع غلمان النّاس فحلف بكلّ يمين ليضربنّي أربعمائة سوط، فكنت ترى لي أن أقيم؟قلت: لا و اللّه! قال: فهذا الآن إباق؟قلت لا. قال: فاشتريته فإذا هو أحسن النّاس خبزا و أطيبهم طبخا.
و خبّرني رجل قال: قال رجل لغلام له ذات يوم: يا فاجر!قال: جعلني اللّه فداك، مولى القوم منهم! و زعم روح بن الطائفية-و كان روح عبدا لأخت أنس بن أبي شيخ، و كانت قد فوّضت إليه كلّ شيء من أمرها-قال: دخلت السّوق أريد شراء غلام طبّاخ، فبينا أنا واقف إذ جيء بغلام يعرض بعشرة دنانير، و يساوي على حسن وجهه و جودة قدّه، و حداثة سنّه، دون صناعته-مائة دينار. فلمّا رأيته لم أتمالك أن دنوت منه فقلت:
ويحك أقلّ ثمنك على وجهك مائة دينار، و اللّه ما يبيعك مولاك بعشرة دنانير إلاّ و أنت شرّ الناس!فقال: أمّا لهم فأنا شرّ الناس، و أمّا لغيرهم فأنا أساوي مائة و مائة.
قال: فقلت: التزيّن بجمال هذا و طيب طبخه يوما واحدا عند أصحابي خير من عشرة دنانير. فابتعته و مضيت به إلى المنزل، فرأيت من حذقه و خدمته، و قلّة تزيّده ما إن بعثته إلى الصّيرفي ليأتيني من قبله بعشرين دينارا، فأخذها و مضى على وجهه فو اللّه ما شعرت إلاّ و النّاشد[٢]قد جاءني و هو يطلب جعله، فقلت: لهذا و شبهه باعك القوم بعشرة دنانير!قال: لو لا أنّي أعلم أنّك لا تصدّق يميني و كيف طرّت الدّنانير من ثوبي. و لكنّي أقول لك واحدة: احتبسني و احترس منّي، و استمتع بخدمتي، و احتسب أنّك كنت اشتريتني بثلاثين دينارا، قال: فاحتبسته لهواي فيه، و قلت لعلّه [١]الإباق: هرب العبد من سيده.
[٢]الناشد: أراد به الجاحظ: المعرّف.