الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٦٣ - ١٨٢٩- قصيدتا بشر بن المعتمر
و أما قوله:
٣٣- «يحسب النّاظرون أني ابن ماء # ذاكر عشّه بضفّة نهر»
فإن الجنّيّ إذا طار به في جوّ السماء ظنّ كلّ من رآه أنّه طائر ماء.
١٨٢٨-[قولهم: أروى من ضبّ]
و أما قولهم في المثل: «أروى من ضبّ» فإني لا أعرفه، لأنّ كلّ شيء بالدوّ و الدّهناء و الصّمّان، و أوساط هذه المهامة و الصحاصح فإن جميع ما يسكنها من الحشرات و السّباع لا يرد الماء و لا يريده، لأنه ليس في أوساط هذه الفيافي في الصّيف كله و في القيظ جميعا منقع ماء، و لا غدير، و لا شريعة، و لا وشل[١]. فإذا استقام أن يمرّ بظبائها و أرانبها و ثعالبها و غير ذلك منها الصّيفة كلّها، و القيظ كله، و لم تذق فيها قطرة ماء، فهي له في الشتاء أترك، لأنّ من اقتات اليبس إذا لم يشرب الماء فهو إذا اقتات الرّطب أترك.
و ليس العجب في هذا، و لكنّ العجب في إبل لا ترد الماء.
و زعم الأصمعيّ أنّ لبني عقيل ماعزا لم يرد الماء قطّ[٢]. فينبغي على ذاك أن يكون واديهم لا يزال يكون فيه من البقل و الورق ما يعيشها بتلك الرّطوبة التي فيها.
و لو كانت ثعالب الدّهناء و ظباؤها و أرانبها و وحشها تحتاج إلى الماء لطلبته أشدّ الطلب، فإن الحيوان كلّه يهتدي إلى ما يعيشه، و ذلك في طبعه و إنما سلب هذه المعارف الذين أعطوا العقل و الاستطاعة فوكلوا إليهما.
فأمّا من سلب الآلة التي بها تكون الرّويّة و الأداة التي يكون بها التصرّف، و تخرج أفعاله من حد الإيجاب إلى حد الإمكان، و عوّض التمكين، فإن سبيله غير سبيل من منح ذلك، فقسم اللّه تعالى لتلك الكفاية، و قسم لهؤلاء الابتلاء و الاختيار.
١٨٢٩-[قصيدتا بشر بن المعتمر]
أوّل ما نبدأ قبل ذكر الحشرات و أصناف الحيوان و الوحش بشعري بشر بن المعتمر، فإن له في هذا الباب قصيدتين، قد جمع فيهما كثيرا من هذه الغرائب [١]الوشل: الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة.
[٢]تقدم القول في ٥/٤٨٥.