الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٤٦ - ١٨٢١- عزيف الجنان و تغوّل الغيلان
الوحشة[١]. و من انفرد و طال مقامه في البلاد[٢]و الخلاء، و البعد من الإنس- استوحش. و لا سيّما مع قلة الأشغال و المذاكرين.
و الوحدة لا تقطع أيامهم إلا بالمنى أو بالتفكير. و الفكر ربما كان من أسباب الوسوسة. و قد ابتلى بذلك غير حاسب، كأبي يس و مثنّى ولد القنافر[٣].
و خبّرني الأعمش أنه فكّر في مسألة، فأنكر أهله عقله، حتّى حموه و داووه.
و قد عرض ذلك لكثير من الهند.
و إذا استوحش الإنسان تمثّل له الشّيء الصغير في صورة الكبير، و ارتاب، و تفرّق ذهنه، و انتفضت أخلاطه، فرأى ما لا يرى، و سمع ما لا يسمع، و توهم على الشيء اليسير الحقير، أنه عظيم جليل.
ثمّ جعلوا ما تصوّر لهم من ذلك شعرا تناشدوه، و أحاديث توارثوها فازدادوا بذلك إيمانا. و نشأ عليه الناشئ، و ربّي به الطّفل، فصار أحدهم حين يتوسّط الفيافي، و تشتمل عليه الغيظان في اللّيالي الحنادس-فعند أوّل وحشة و فزعة، و عند صياح بوم و مجاوبة صدى، و قد رأى كلّ باطل، و توهّم كلّ زور، و ربما كان في أصل الخلق و الطبيعة كذّابا نفّاجا[٤]، و صاحب تشنيع و تهويل، فيقول في ذلك من الشّعر على حسب هذه الصّفة، فعند ذلك يقول: رأيت الغيلان!و كلّمت السّعلاة!ثمّ يتجاوز ذلك إلى أن يقول قتلتها، ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول: رافقتها ثمّ يتجاوز ذلك إلى أن يقول: تزوّجتها!! قال عبيد بن أيّوب[٥]: [من الطويل]
فللّه درّ الغول أيّ رفيقة # لصاحب قفر خائف متقتّر
و قال[٦]: [من الطويل]
أ هذا خليل الغول و الذئب و الذي # يهيم بربّات الحجال الهراكل
[١]الوحشة: الخوف من الخلوة و الهم.
[٢]البلد من الأرض: ما كان مأوى الحيوان و إن لم يكن فيه بناء.
[٣]القنافر: القصير.
[٤]النفّاج: الذي يفخر بما ليس عنده.
[٥]البيت في أشعار اللصوص ٢١٨، و تقدم ص ٤٠٠.
[٦]البيت في أشعار اللصوص ٢٢٨، و تقدم ص ٤٠٢.