الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٤٧ - ١٨٢١- عزيف الجنان و تغوّل الغيلان
و قال[١]: [من الطويل]
أخو قفرات حالف الجنّ و انتفى # من الإنس حتّى قد تقضّت وسائله
له نسب الإنسيّ يعرف نجله # و للجنّ منه خلقه و شمائله
و ممّا زادهم في هذا الباب، و أغراهم به، و مدّ لهم فيه، أنهم ليس يلقون بهذه الأشعار و بهذه الأخبار إلا أعرابيّا مثلهم، و إلا عامّيّا لم يأخذ نفسه قط بتمييز ما يستوجب التّكذيب و التّصديق، أو الشّكّ، و لم يسلك سبيل التوقف و التثبّت في هذه الأجناس قطّ. و إمّا أن يلقوا راوية شعر، أو صاحب خبر، فالرّاوية كلّما كان الأعرابيّ أكذب في شعره كان أطرف عنده، و صارت روايته أغلب، و مضاحيك حديثه أكثر فلذلك صار بعضهم يدّعي رؤية الغول، أو قتلها، أو مرافقتها، أو تزويجها؛ و آخر يزعم أنّه رافق في مفازة نمرا. فكان يطاعمه و يؤاكله، فمن هؤلاء خاصّة القتّال الكلابي؛ فإنّه الذي يقول[٢]: [من الطويل]
أ يرسل مروان الأمير رسالة # لآتيه إني إذا لمصلّل[٣]
و ما بي عصيان و لا بعد منزل # و لكنّني من خوف مروان أوجل
و في باحة العنقاء أو في عماية # أو الأدمى من رهبة الموت موئل[٤]
و لي صاحب في الغار هدّك صاحبا # هو الجون إلاّ أنه لا يعلّل
إذا ما التقينا كان جلّ حديثنا # صمات و طرف كالمعابل أطحل[٥]
تضمّنت الأروى لنا بطعامنا # كلانا له منها نصيب و مأكل[٦]
فأغلبه في صنعة الزّاد إنّني # أميط الأذى عنه و لا يتأمّل
و كانت لنا قلت بأرض مضلّة # شريعتنا لأيّنا جاء أوّل[٧]
كلانا عدوّ لو يرى في عدوّه # محزّا و كلّ في العداوة مجمل[٨]
[١]البيتان في أشعار اللصوص ٢٢٥-٢٢٦، و تقدما ص ٤٣٩.
[٢]ديوان القتال الكلابي ٧٧، و أشعار اللصوص ٥٢٥-٥٢٦.
[٣]مروان هو الخليفة مروان بن الحكم.
[٤]الباحة: الساحة. العنقاء و عماية و الأدمى: مواضع. موئل: منجى.
[٥]الصمات: الصمت. المعابل: جمع معبلة؛ و هي النصل الطويل العريض. الأطحل: ما لونه الطلحة، و هو لون بين الغبرة و البياض.
[٦]الأروى: الأنثى من الوعول.
[٧]القلت: النقرة في الجبل تمسك الماء.
[٨]المجمل: المتئد المعتدل لا يفرط.