الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٣٢٥ - ١٦٧٢- شواهد هذا الكتاب و ملازمتها للغرائب و الطرائف
و سنذكر علّة التسالم و علّة التعادي، و لم طبعت رؤساء السّباع على الغفلة و بعض ما يدخل في باب الكرم، دون صغار السّباع و سفلتها، و حاشيتها و حشوها[١]، و كذلك أوساطها، و المعتدلة الآلة و الأسر[٢]منها.
١٦٧٢-[شواهد هذا الكتاب و ملازمتها للغرائب و الطرائف]
و لم نذكر، بحمد اللّه تعالى، شيئا من هذه الغرائب، و طريفة من هذه الطرائف إلا و معها شاهد من كتاب منزل، أو حديث مأثور، أو خبر مستفيض، أو شعر معروف، أو مثل مضروب، أو يكون ذلك ممّا يشهد عليه الطبيب، و من قد أكثر قراءة الكتب، أو بعض من قد مارس الأسفار، و ركب البحار، و سكن الصّحاري و استذرى[٣]بالهضاب، و دخل في الغياض[٤]، و مشى في بطون الأودية.
و قد رأينا أقواما يدّعون في كتبهم الغرائب الكثيرة، و الأمور البديعة، و يخاطرون من أجل ذلك بمروءاتهم، و يعرّضون أقدارهم، و يسلّطون السّفهاء على أعراضهم، و يجترّون سوء الظّنّ إلى أخبارهم، و يحكّمون حسّاد النّعم في كتبهم، و يمكّنون لهم من مقالتهم. و بعضهم يتّكل على حسن الظّنّ بهم، أو على التسليم لهم، و التقليد لدعواهم. و أحسنهم حالا من يحبّ أن يتفضّل عليه ببسط العذر له، و يتكلّف الاحتجاج عنه، و لا يبالي أن يمنّ بذلك على عقبه، أو من دان بدينه، أو اقتبس ذلك العلم من قبل كتبه.
و نحن حفظك اللّه تعالى، إذا استنطقنا الشّاهد، و أحلنا على المثل، فالخصومة حينئذ إنّما هي بينهم و بينها، إذ كنّا نحن لم نستشهد إلاّ بما ذكرنا. و فيما ذكرنا مقنع عند علمائنا، إلاّ أن يكون شيء يثبت بالقياس، أو يبطل بالقياس، فواضع الكتاب ضامن لتخليصه و تلخيصه، و لتثبيته و إظهار حجّته.
فأمّا الأبواب الكبار فمثل القول في الإبل، و القول في فضيلة الإنسان على جميع الحيوان، كفضل الحيوان على جميع النامي، و فضل النّامي على جميع الجماد.
[١]الحشو و الحاشية: الصغار.
[٢]الأسر: القوة.
[٣]استذرى بالشجرة و الحائط: اكتنّ و صار في كنف منها.
[٤]الغياض: جمع غيضة، و هي مفيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر.