الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٧٦ - ١٨٣٦- الحية و الثعلب و الذر
و بلدة لا ترام خائفة # زوراء مغبّرة جوانبها[١]
تسمع للجنّ عازفين بها # تصيح من رهبة ثعالبها[٢]
كلّفتها عرمسا عذافرة # ذات هباب فعما مناكبها[٣]
تراقب المحصد الممرّ إذا # هاجرة لم تقل جنادبها[٤]
و الذي عندي أنّ زهيرا قد وصف الثّعلب بشدّة القلب، لأنهم إذا هوّلوا بذكر الظّلمة الوحشيّة و الغيلان، لم يذكروا إلاّ فزع من لا يكاد يفزع، لأنّ الشاعر قد وصف نفسه بالجراءة على قطع هذه الأرض في هذه الحال.
و في استنذاله و جبنه قالت أمّ سالم لابنها معمر: [من الطويل]
أرى معمرا لا زيّن اللّه معمرا # و لا زانه من زائر يتقرّب
أ عاديتنا عاداك عزّ و ذلّة # كأنك في السّربال إذ جئت ثعلب
فلم تر عيني زائرا مثل معمر # أحقّ بأن يجنى عليه و يضرب
و قال عقيل بن علفة: [من الطويل]
تأمّل لما قد نال أمّك هجرس # فإنّك عبد يا زميل ذليل
و إني متى أضربك بالسّيف ضربة # أصبّح بني عمرو و أنت قتيل
الهجرس: ولد الثّعلب. قال: و كيف يصطاد و هو على هذه الصّفة؟ فأنشد شعر ابن ميّادة[٥]: [من الطويل]
أ لم تر أنّ الوحش يخدع مرّة # و يخدع أحيانا فيصطاد نورها
بلى، و ضواري الصّيد تخفق مرّة # و إن فرهت عقبانها و نسورها[٦]
[١]في ديوانه: «لا ترام: لا يقدر عليها. خائفة: ذات خوف، كقولك: عيشة راضية: ذات رضا.
زوراء: ليس طريقها بمستقيم، و لا هي على القصد. مغبرة: من الجدب. جوانبها: نواحيها» .
[٢]في ديوانه: «أي: تسمع لهم مثل العزف، أي: صوت المزمار و الطبل من بعيد» .
[٣]في ديوانه: «عذافرة: ضخمة شديدة الخلق. عرمسا: ناقة شديدة. ذات هباب: أي ذات نشاط.
فعما: ممتلئا. يريد ضخمة المناكب» .
[٤]في ديوانه: «تراقب: ترقب السوط بشق عينها، من الخوف أن تضرب به. المحصد: الشديد الفتل، يعني السوط. الممر: المفتول. لم تقل: من القائلة، يريد من شدة الحر، و الجندب هو راجل الجراد الذي ليس له جناحان يطير بهما» .
[٥]ديوان ابن ميادة ١٢٩.
[٦]النور: جمع نوار، و هي النّفر من الظباء و الوحوش و غيرها.