الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٥٦ - ١٨٢٥- رد على المحتجّين لإنكار استراق السمع بالقرآن
و كذلك نقول و نزعم أن أوهام هذه العفاريت تصرف عن الذكر لتقع المحنة، و كذلك نقول في النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أن لو كان في جميع تلك الهزاهز[١]من يذكر قوله تعالى: وَ اَللََّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنََّاسِ [٢]لسقط عنه من المحنة أغلظها.
و إذا سقطت المحنة لم تكن الطاعة و المعصية. و كذلك عظيم الطاعة مقرون بعظيم الثّواب.
و ما يصنع الدهري و غير الدّهري بهذه المسألة و بهذا التسطير[٣]؟! و نحن نقول: لو كان إبليس يذكر في كلّ حال قوله تعالى: وَ إِنَّ عَلَيْكَ اَللَّعْنَةَ إِلىََ يَوْمِ اَلدِّينِ [٤]و علم في كلّ حال أنّه لا يسلم لوجب أن المحنة كانت تسقط عنه، لأن من علم يقينا أنّه لا يمضي غدا إلى السوق و لا يقبض دراهمه من فلان، لم يطمع فيه. و من لم يطمع في الشيء انقطعت عنه أسباب الدواعي إليه. و من كان كذلك فمحال أن يأتي السّوق.
فنقول في إبليس: إنه ينسى ليكون مختبرا ممتحنا فليعلموا أن قولنا في مسترقي السمع كقولنا في إبليس، و في جميع هذه الأمور التي أوجب علينا الدّين أن نقول فيها بهذا القول.
و ليس له أن يدفع هذا القول على أصل ديننا، فإن أحبّ أن يسأل عن الدين الذي أوجب هذا القول علينا فليفعل، و اللّه تعالى المعين و الموفّق.
و أما قولهم: «من يخاطر بذهاب نفسه لخبر يستفيده» فقد علمنا أن أصحاب الرّئاسات و إن كان متبيّنا كيف كان اعتراضهم على أنّ أيسر ما يحتملون في جنب تلك الرّئاسات القتل.
و لعلّ بعض الشّياطين أن يكون معه من النّفخ[٥]و حب الرّئاسة ما يهوّن عليه أن يبلغ دوين المواضع التي إن دنا منها أصابه الرّجم، و الرّجم إنما ضمن أنه مانع من الوصول، و يعلم أنه إذا كان شهابا أنه يحرقه و لم يضمن أنه يتلف عنه، فما أكثر من تخترقه الرّماح في الحرب ثم يعاود ذلك المكان و رزقه ثمانون دينارا و لا يأخذ إلا [١]الهزاهز: الفتن يهتز فيها الناس.
[٢]٦٧/المائدة: ٥.
[٣]التسطير: أن يأتي بأساطير و أحاديث تشبه الباطل.
[٤]٣٥/الحجر: ١٥.
[٥]النفخ: الكبر.