الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٥٩ - ١٨٢٦- المحتجون بالشعر لرجم الشياطين قبل الإسلام
و رووا قوله[١]: [من الكامل]
فانقضّ كالدّرّي من متحدّر # لمع العقيقة جنح ليل مظلم[٢]
و قال عوف بن الخرع: [من الطويل]
يردّ علينا العير من دون أنفه # أو الثّور كالدّرّي يتبعه الدّم
و قال الأفوه الأودي[٣]: [من الرمل]
كشهاب القذف يرميكم به # فارس في كفّه للحرب نار
و قال أميّة بن أبي الصّلت[٤]: [من الكامل]
و ترى شياطينا تروغ مضافة # و رواغها شتّى إذا ما تطرد[٥]
يلقى عليها في السّماء مذلّة # و كواكب ترمى بها فتعرّد[٦]
قلنا لهؤلاء القوم: إن قدرتم على شعر جاهليّ لم يدرك مبعث النبي صلّى اللّه عليه و سلّم و لا مولده فهو بعض ما يتعلّق به مثلكم، و إن كان الجواب في ذلك سيأتيكم إن شاء اللّه تعالى. فأما أشعار المخضرمين و الإسلاميّين فليس لكم في ذلك حجّة. و الجاهليّ ما لم يكن أدرك المولد، فإنّ ذلك ممّا ليس ينبغي لكم أن تتعلّقوا به. و بشر بن أبي خازم فقد أدرك الفجار، و النبي صلّى اللّه عليه و سلّم شهد الفجار، و قال: «شهدت الفجار فكنت أنبل على عمومتي و أنا غلام» [٧].
و الأعلام ضروب، فمنها ما يكون كالبشارات في الكتب، لكون الصّفة إذا واقفت الصّفة التي لا يقع مثلها اتفاقا و عرضا لزمت فيه الحجة، و ضروب أخر كالإرهاص للأمر، و التأسيس له، و كالتعبيد و الترشيح[٨]، فإنّه قلّ نبيّ إلاّ و قد حدثت عند مولده، أو قبيل مولده، أو بعد مولده أشياء لم يكن يحدث مثلها. و عند ذلك [١]سيذكر الجاحظ هذا البيت ص ٤٦٠.
[٢]العقيقة: البرق إذا رأيته وسط السحاب كأنه سيف مسلول.
[٣]ديوان الأفوه الأودي ١٢، و الحماسة البصرية ١/٤٩.
[٤]ديوان أمية بن أبي الصلت ٣٦١.
[٥]تروغ: تميل. المضاف: الخائف.
[٦]التعريد: الإحجام و الفرار. التقديد: التقطيع.
[٧]النهاية ٣/٤١٤، ٥/١٠، و عمدة الحفاظ ٢/٢٠٤ (فجر) . و انظر لحرب الفجار: الأغاني ٢٢/٥٤-٧٤، و أيام العرب في الجاهلية ٣٢٢-٣٤١.
[٨]التعبيد: التمهيد و التذليل. الترشيح: التهيئة للشيء.