الحيوان - الجاحظ - الصفحة ٤٥٧ - ١٨٢٦- المحتجون بالشعر لرجم الشياطين قبل الإسلام
نصفه، و لا يأخذه إلا قمحا. فلو لا أن مع قدم هذا الجنديّ ضروبا مما يهزّه و ينجّده[١] و يدعو إليه و يغريه-ما كان يعود إلى موضع قد قطعت فيه إحدى يديه، أو فقئت إحدى عينيه.
و لم وقع عليه إذا اسم شيطان، و مارد، و عفريت، و أشباه ذلك؟!و لم صار الإنسان يسمّى بهذه الأسماء، و يوصف بهذه الصفات إذا كان فيه الجزء الواحد من كلّ ما هم عليه؟!.
و قالوا في باب آخر من الطّعن غير هذا، قالوا في قوله تعالى: وَ أَنََّا كُنََّا نَقْعُدُ مِنْهََا مَقََاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ اَلْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهََاباً رَصَداً [٢]فقالوا: قد دلّ هذا الكلام على أن الأخبار هناك كانت مضيّعة حتّى حصّنت بعد. فقد وصفتم اللّه تعالى بالتّضييع و الاستدراك!.
قلنا: ليس في هذا الكلام دليل على أنهم سمعوا سرّا قط أو هجموا على خبر إن أشاعوه فسد به شيء من الدّين. و للملائكة في السّماء تسبيح و تهليل، و تكبير و تلاوة، فكان لا يبلغ الموضع الذي يسمع ذلك منه إلا عفاريتهم.
و قد يستقيم أن يكون العفريت يكذب و يقول: سمعت ما لم يسمع و متى لم يكن على قوله برهان يدلّ على صدقه فإنما هو في كذبه من جنس كلّ متنبئ و كاهن.
فإن صدقه مصدق بلا حجّة فليس ذلك بحجّة على اللّه و على رسوله صلّى اللّه عليه و سلّم.
١٨٢٦-[المحتجون بالشعر لرجم الشياطين قبل الإسلام]
و ذهب بعضهم في الطّعن إلى غير هذه الحجّة، قالوا: زعمتم أن اللّه تعالى جعل هذه الرّجوم للخوافي حجّة للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم، فكيف يكون ذلك رجما، و قد كان قبل الإسلام ظاهرا مرئيّا، و ذلك موجود في الأشعار. و قد قال بشر بن أبي خازم في ذلك[٣]: [من الطويل]
فجأجأها من أول الرّيّ غدوة # و لمّا يسكّنه من الأرض مرتع[٤]
بأكلبة زرق ضوار كأنّها # خطاطيف من طول الطريدة تلمع[٥]
[١]ينجده: يجعله ذا نجدة، و النجدة: الشجاعة.
[٢]٩/الجن: ٧٢.
[٣]ديوان بشر بن أبي خازم ١٢١ (١٤٦) .
[٤]جأجأها: دعاها إلى الشرب. المرتع: المرعى الخصيب.
[٥]زرق: زرق العيون، الضواري: الكلاب التي اعتادت الصيد. الخطاطيف: جمع خطاف-بضم الخاء-و هي الحديدة الحجناء، شبه بها الكلاب لدقتها و ضمورها. ـ