من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٩ - فذكر بالقرآن من يخاف وعيد
عميقا (بالقلب السليم والسمع الشهيد) كفيل بأن يجعل فكرة البعث فكرة واقعية، ويدفع الإنسان للتصديق بالرجوع بعد الموت فلا تصبح الفكرة عندها أمرا شاذا (عجيبا)، ولا البعث مستحيلا (بعيدا) كما يعتقد الكافرون.
دعنا ننظر نظرة عميقة الى الطبيعة من حولنا، ولنركز الفكر في خلق الأرض التي تقلنا، والسماء الواسعة التي تظلنا، ولنتساءل: أيها أعظم، هل خلقهما أم خلق الإنسان هذا الذي لا يكاد يبين بالقياس إليها؟! لا ريب أنهما أعظم خلقا وأعقد لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [المؤمن: ٥٧]، ومع ذلك فإن خلقهما وما بينهما تم في ستة أيام، ولم يكن مضنيا.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ولعلنا نتساءل لماذا لم يتم الله ذلك الخلق في مدة أقل؟ وربما يذهب بعضنا الى القول بأنه كان يتعب فيستريح، كلا. وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ إن الله قادر على خلق كل شيء في مدة يتلاشى فيها الحساب الزمني، وإنما جعل الخلق في ستة أيام لحكمة يعلمها، أنه أراد بيان حقيقة مهمة لنا، وهي أن كل شيء في الحياة لم يخلق كاملا منذ أول لحظة، وإنما هو يسير نحو التكامل، وحتى أنت أيها الإنسان في مسيرة البناء الذاتي أو الحضاري ينبغي لك التحرك نحو الأسمى.
ومادام الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في هذه المدة ومن دون أن يمَّسه شيء من التعب أو التكلف، فهل يصعب عليه بعثنا يوم القيامة؟ وما نحن قياساً لذلك الخلق حتى يصعب على مبتدعه خلقنا مرة أخرى؟! ءأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ، ثم مباشرةً يحدثنا عن يوم القيامة فيقول فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى [النازعات: ٢٧- ٣٤]، والصلة المختصة بين الحديث عن آيات الطبيعة وعظمتها، والحديث عن يوم القيامة لإثبات فكرة البعث من خلال تلك الآيات والعظمة صلة صميمة تتجلى في كل آيات القرآن.
[٤٠- ٣٩] ويكاد قلب المؤمن يتفطر من تكذيب الكفار بحقيقة البعث والجزاء التي يتلمسهما المؤمن وراء كل ظاهرة وفي كل أفق وفي كل لحظة من حياته، الأمر الذي قد يستدعي منحه زخة من الصبر.
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ونجد في موضع من القرآن توجيها مشابها من قبل الله للرسول صلى الله عليه واله وللمؤمنين، يقول تعالى وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا