من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٨ - فذكر بالقرآن من يخاف وعيد
وإذا لم يكن الإنسان عالما يستطيع التذكر والاهتداء الى الحق بنفسه، فإنه يجد سبيلا الى ذلك بالاستماع الى آيات الله واتباع أئمة الحق والهدى والعلماء الصالحين أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ إن المشكلة الحقيقية للانسان الذي لايهتدي ليست عدم وجود القلب أو السمع، وإنما هي توظيفه لهما، كما جوارحه وإمكاناته الأخرى في الأمور السافلة أو التافهة. يقول تعالى وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ [الأعراف: ١٧٩].
ولوجود هذه المشكلة يشرط القرآن على الإنسان شرطين حتى ينتفع بسمعه من كلام الآخرين وتجاربهم من آيات الذكر.
أولًا: أن يوظف سمعه أَلْقَى السَّمْعَ.
ثانياً: أن لا يكون السمع بذاته هدفا فيقف الواحد عند الحروف أو عند حدود العلم، بل يَعُدُّ السمع وسيلة الى هدف هو العمل بالحق، والحروف والعلم طريقا الى الموعظة. وبكلمة، لابد أن يكون مسؤولا شَهِيدٌ على ما يصله من العلم، قال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [الأنفال: ٢٠- ٢٢].
وقال مبيِّنا هدف السمع وبعض الجوارح وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: ٧٨]. ويضرب القرآن مثلا للمستمع الشهيد من واقع المؤمنين الذين يذكرون الله على كل حال وفي كل حين فيقول حاكيا عنهم رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران: ١٩٣]. إن السمع الذي لا يملك صاحبه الاستعداد لتحمل مسؤوليته لاينفع شيئًا، وماذا يستفيد من سماع الحق ذلك الإنسان الذي يتهرب من مسؤوليته بالتكبر أو التبرير أو الاستهزاء وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [الجاثية: ٧- ٩]. وتجارب التاريخ البشري تحملنا مسؤولية الإيمان بالله فإذا لم يتجاوز سماع هذه التجارب إلى الإيمان فما قيمة سماعنا لها؟
[٣٨] وكما تتجلى آيات قدرة الله في التاريخ البشري بصورة إهلاك الأقوام المكذبة، فإنها تتجلى في الطبيعة بصورة أخرى تتجسد في الخلق والابداع والتفكر في تلك الآيات تفكيرا