من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢ - سبحان الذي سخر لنا هذا
كما نستوحي من الآية ضرورة تسخير الطبيعة وعدم إهمالها، وقد ورد في الحديث
[كَانَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَعليه السلام، يَقُولُ مَنْ وَجَدَ مَاءً وتُرَاباً ثُمَّ افْتَقَرَ فَأَبْعَدَهُ اللهُ] [١].
والاستواء على ظهور الفلك والأنعام هو الهدف المرحلي منها، أما الهدف الأسمى لهذه النعمة وسائر نعم الله هو الاهتداء والتقرب إليه ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ فالهدف من نعم الله المادية هو السمو الروحي. إنها معراج الإنسان إلى الله، فإذا شبعت فقل: (الحمد لله)، وإذا ارتويت فقل: (الحمد لله)، وإذا استغنيت فقل: (الحمد لله)، وإذا ركبت السيارة فقل: (سبحان الله) ...
ويذكرنا القرآن الحكيم بالأهداف المادية والمعنوية لِنِعَم الله علينا، بالذات في هذه السورة التي تمحورت حول علاقتنا بالطبيعة من حولنا، للأسباب التالية
أولًا: لكي لا نزيغ عن الغايات النبيلة للنعم، فالزواج جعل ليبنى به البيت والسكينة والمحبة والخلق الرفيع فلا ينبغي أن نجعل هدفنا منه مجرد قضاء وطر الشهوة، وجعلت الأنعام للاستواء على ظهورها وبلوغ الأهداف المشروعة، وليس للهو بها أو للتجبر والبطش على الناس.
ثانياً: لكي لا تبطرنا النعم ونتخذها للتفاخر والتكبر والفساد في الأرض.
ثالثاً: لتعطينا السكينة النفسية التي تساهم في إصلاح نفوسنا من عقدة الضعة، وتدعونا لشكر الله بعمل الصالحات.
لذلك أمرنا الله بهذا الدعاء عند ركوب الأنعام لكي ينقلنا امتطاؤها إلى آفاق روحية أبعد من تلك الآفاق الأرضية، التي نطويها عبرها. أرأيت أيَّ أفق بعيد يبلغه من يقطع المسافة بين الشهود والغيب في لحظة فينتقل من رؤية النقص في الطبيعة إلى الكمال في خالقها!.
وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا ونتساءل: لماذا أمرنا الله هنا بالتسبيح وليس بالحمد؟
ذلك لأن حاجتنا- نحن البشر- إلى الدواب أو الفلك، وضعفنا عن توفيرها لولا تسخير الله، شاهد على تنزه الله وغناه، فهو غني عن عباده، غني عن التوسل بالآلات، غني عن تسخير شيء لنفسه، تعالى الله وتقدَّس ربنا عن كل ذلك.
[١] بحار الأنوار: ج ١٠٠، ص ٦٥.