من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٧ - ويل لكل أفاك أثيم
[٧] وفي الآية التالية ينذر الله من لا يتبع هداه بالويل وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ.
ويطرح السؤال التالي: ما هي علاقة هذه الآية بما تليها؟. يبدو أن هنالك علاقة واقعية ونفسية
ألف: فالعلاقة الواقعية أن الذين لا يؤمنون بالله ولا يغمر قلوبهم نور المعرفة الإلهية سيأفكون عن الحق، ويقولون الكذب، بل إن كل عمل يعملونه وكل خطوة يخطونها وكل هاجس من هواجسهم يحملهم إلى الإفك والإثم، ومثلهم مثل الآلة الحاسبة التي تركب على أساس خاطأ فإن كل عملياتها خطأ، وكذا الآلة الطابعة التي تركب الحروف فيها على أساس خاطأ فكل كلمة تكتبها تخرج خاطأ، ذلك أن الإيمان بالله لا غيره هو الذي يحلُّ طلاسم الحياة وأسرارها، كيف وجد هذا الكون الهائل، وإلى أين يصل، وإلى أين ينتهي، وما حكمة خلقه، وما هي غاية وجودنا فيه؟
بلى، إن الإنسان الذي يسلب منه الإيمان لا يستطيع أن يعرف طبيعة الحياة، ولا يصمد أمام مشاكلها، ويمضي حياته في الكدح العابث.
باء: العلاقة النفسية وهي أن قلب الإنسان وعقله وفطرته قد خلق كل ذلك على أساس معرفة الله فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: ٣٠]، ولكن بسبب العمل الفاسد الذي يرين على القلب ينتكس الإنسان، وتتراكم عليه حجب الضلالة والعصبيات والعقد فلا يرى الحقائق.
ولذلك جاء في الدعاء المأثور عن أمير المؤمنين عليه السلام
[إِلَهِي قَلْبِي مَحْجُوبٌ وَنَفْسِي مَعْيُوبٌ وَعَقْلِي مَغْلُوبٌ وَهَوَائِي غَالِبٌ وَطَاعَتِي قَلِيلٌ وَمَعْصِيَتِي كَثِيرٌ وَلِسَانِي مُقِرٌّ وَمُعْتَرِفٌ بِالذُّنُوبِ فَكَيْفَ حِيلَتِي يَا سَتَّارَ العُيُوبِ وَيَا عَلَّامَ الغُيُوبِ وَيَا كَاشِفَ الكُرُوبِ اغْفِرْ ذُنُوبِي كُلَّهَا بِحُرْمَةِ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ يَا غَفَّارُ يَا غَفَّارُ يَا غَفَّارُ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين] [١].
فقلب الإنسان يحجب بالغفلة، وسبب كل ذلك تراكم الذنوب، لهذا يجأر المؤمن منها، ويدعو الله بغفران ذنوبه، حتى يعود القلب إلى فطرته النقية. ويزيل الله سبحانه الحجب عن القلب بطرق شتى، منها إثارة حب الذات عبر التخويف والترهيب، وبيان أن الابتعاد عن الحق لا ينفع الإنسان شيئا، بل هو الويل وعذاب الخزي لكل أفاك أثيم، والويل هو الهلاك، وهو واد في جهنم، ممتلئ قيحا، والويل في الآخرة تجسيد للويل في الدنيا، وقد أعدَّه الله المنتقم الجبار لكل أولئك الذين يأفكون الكذب باستمرار على الله عزَّ وجلَّ، ويجترحون السيئات.
[١] بحارالأنوار، ج ٩١، ص ٢٤٢.