من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٤ - ويل لكل أفاك أثيم
هدى من الآيات
نقرأ في أوَّل سورة الجاثية أن هناك آيات في الكون لقوم يؤمنون، ومن ثم يوقنون بها، وأخيرا بها يعقلون، وهذا التدرج في هذه الآيات يزيدنا معرفة بمنهج التكامل، ففي البدء يجب أن يؤمن الإنسان بالآيات ويسلِّم لها، ومن ثم يتحول إلى حالة اليقين بعد أن يرى آياته سبحانه في الكون، ويرى الانسجام التام بين رسالة الله في الأرض وآياته في السماء والأرض، ومن بعد اليقين يتحول إلى مرحلة العقل.
ومن معاجز القرآن الكريم تشابه الآيات، وهذا يعني أن كل الآيات تسير في خطوط متقاربة، تنتهي إلى هدف واحد، فالتالي لآي الذكر الحكيم يتراءى له أن كل الآيات ذات بعد واحد، إذ إن الكلمات هي الكلمات، والأهداف هي ذاتها الأهداف، وحتى تركيب الكلمات والموضوعات العامة التي توحي إليها العبارات وتشير إليها واحدة، ولكن عند التدبر العميق يتبيَّن لنا أن وراء هذه الوحدة وهذا التشابه حقائق متنوعة، وليس معنى ذلك تناقضها، أو أنها ليست من سنن الله التي تنبع من قاعدة واحدة وتنتهي إلى هدف هو التوحيد.
وسُمِّيت هذه السورة بهذا الاسم لآية فيها تصوَّر لنا منظر الأمم في يوم القيامة وهم يجثون على ركبهم خشعا خضعا لله، كل أمة تدعى إلى كتابها، وآيات هذا الدرس وما بعدها تعمق فينا الإيمان بالله سبحانه وتعالى والإيمان بالبعث، وبالرغم من أن هذه الحقيقة واحدة في مختلف السور إلا إن كل آية من آيات القرآن الكريم في هذا الموضوع تثير في البشر إحساسا خاصا، وتضرب على أوتار معينة في قلبه، ومن ثم تعالج أمراضا محددة، ولذا يجب قراءة القرآن كله، وبالرغم من أن قراءة سورة واحدة أو مجموعة آيات تفيد الإنسان وتنفعه إلا أن قراءة كل القرآن ضروري، لأن نواقص البشر كثيرة ومتنوعة ولا علاج لها إلا في القرآن.
بينات من الآيات
[١] حم سبق أن قلنا إن الحروف المقطعة ربما تكون إشارة للقرآن ذاته أو أسرارا بين الله وأحبائه، وقال البعض: [إن حم اسم للسورة، وإشارة إليها] [١].
[٢] تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ العزيز الذي لا يغالب ولا يقهر، والحكيم الذي لا يخطأ. وبما أن الكتاب تنزيل من الله فلتخشع له الأفئدة، ولتتطأطأ أمامه الأفكار. أوَلَيس ربنا عزيزا فكتابه تجلٍّ لتلك العزة؟، وهل ينبغي للعاقل أن يغالب كتاب ربه، ولا يخشى غضبته
[١] كالرازي في تفسيره، ج ٢٧، ص ٢٦.