من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٠ - ولا يصدنكم الشيطان
كذلك نجد سورة الزخرف تضرب لنا المثل العالية من حياة أولي العزم من الرسل باستثناء نوح عليه السلام، لأن السورة تبصِّرنا أساسا بقيادة أصحاب الرسالات، وتحرضنا على قيادة أولي القوة والثروة.
والجاهليون الذين منعهم تعصبهم الأعمى عن الإيمان بعيسى كانوا يتساءلون
أآلهتنا خير أم هو؟ وهم يعلمون مقام عيسى، ولكنهم إنما جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق. ثم يتابع السياق حديثه عن عيسى عليه السلام الذي جعله الله مثلا لبني إسرائيل، فيقول: إن أعظم فضائله كانت في عبوديته لله. فهو عبد أنعم الله عليه، وكانت دعوته إلى الله الواحد كما دعوة كل الرسل. وإنما جاء ليعلم بني إسرائيل الحكمة، ويفصل بين خلافاتهم، ولكنهم عادوا واختلفوا فيه، فويل للظالمين من عذاب أليم.
ويختم الدرس بالإنذار من الساعة التي تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون.
بينات من الآيات
[٥٧] يتبع القرآن الحكيم منهجا رائعا حين يفصل القول في موضوعة هامة ضمن سورة واحدة أو سور شتى، ثم يجمله مشيرا إلى ذلك التفصيل، وهكذا ينبغي أن يتبع المتدبر منهج النظرة الشمولية الذي أشارت إليه النصوص، بأن يفسر بعض القرآن ببعضه، ويعيد متشابهاته إلى محكماته، ولا يجعل القرآن عضين يأخذ ببعضه ويترك بعضا.
وهنا يجمل القرآن حديثه عن النبي عيسى عليه السلام كما جعله مثلا يحتذى لبني إسرائيل، كما ضرب مثلا للعرب لعلهم به يهتدون إلى نوع القيادة الذي أمروا باتباعه.
لقد رفع الله شأن ابن مريم حين خلقه من غير أب، وجعله يكلم الناس في المهد صبيا، وآتاه الكتاب والحكمة، وجعله مباركا.
ولقد أكرمه الله بالزهد في الدنيا، والخلق الرفيع، وتلك هي قيم الوحي الحق، وليس المال والجاه وما أشبه.
وكان يكفي العرب هدى مثال عيسى عليه السلام، فرسالة النبي محمد صلى الله عليه واله ورسالة أخيه عيسى عليه السلام واحدة، وزهده في الدنيا، وخلقه العظيم، ومعالم شخصيته، كلها متشابهة ومعالم شخصية ابن مريم، ولكن قريشا صدت عن هذا المثل السامي. لماذا؟
لًا: لأنهم لم يؤمنوا بتلك القيم العليا التي مثَّلها عيسى عليه السلام بشخصيته ودعوته،