من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٣ - أم أنا خير من هذا الذي هو مهين؟!
بينات من الآيات
[٤٦] وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ الملأ في القرآن هي الطبقة المترفة المتسلطة على الناس. ونستوحي من إشراك الله للملأ مع فرعون في الدعوة أن هؤلاء كانوا فراعنة صغارا يستفيدون من فرعون، ويستفيد منهم، وكانوا يلتفون حوله، ويستعين بهم، وإذا راجعنا قصص الأنبياء نجد أن الملأ هم الذين كانوا يحرِّضون الناس على الكفر، ويقفون أمام الرسالات. ومن جهة أخرى نجد تمايزا بين الأقوام الذين بُعِثَ فيم الأنبياء وبين المجتمع المصري؛ فتارة يكون الملأ هو الذي يواجه النبي وهو الغالب قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ [الأعراف: ٧٥]، وتارة يكون التركيز على الملك أو الزعيم وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: ١٠٤]، وتارة أخرى يكون الأمر مشتركا كما هنا. ويبدو أن السِّر يكمن في طبيعة النظام السياسي وتطوره، وقوة النخبة بموازاة الملك أو ضعفها. ويبدو أن المجتمع المصري كان متطورا إداريا وفي مراكز القوى التي تشكل الملأ.
[٤٧] فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ كانوا يضحكون من الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام بدل أن يستفيدوا منها ويؤمنوا بها، ومثلهم مثل الصخرة الملساء لا يستقر عليها قطر السماء، ولا تنبت الزرع، كذلك القلوب المتحجرة تنزاح عنها المواعظ، ويستهزئ أصحابها بالرسالات والرسل، وهذا مثل لما أجمله السياق في فاتحة السورة.
[٤٨] وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا تدرَّج الله لهم بالآيات، فمن العصا واليد، إلى السنين ونقص من الأموال والثمرات، إلى الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، إلى الرجز، وكل آية من هذه الآيات أكبر وأعظم من أختها، وكلها كانت من نوع العذاب الأدنى الذي يقضيه الله بلطفه على بعض الأمم بهدف إنذارهم وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
[٤٩] تراهم، هل رجعوا؟، كلا .. فحين يصيبهم العذاب يتوسَّلون بموسى عليه السلام- ويسمونه ساحرا- أن يدعو ربه بما عهد عنده من الآيات والرسالة إن أزال عنهم العذاب إنهم لمهتدون وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ وفي هذه الآية ثلاث ملاحظات
الأولى: أنهم سموا موسى ساحرا.