من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٤ - فذكر بالقرآن من يخاف وعيد
[٣٢] ولكن ماهي الأعمال والصفات التي تقربنا الى الجنة؟
إن جميع الاعتبارات الشيئية تسقط يوم القيامة، وتبقى القيم والأعمال الصالحة هي الميزان. فلا يقرِّب أحد من ربه لسانه العربي، ولا لونه الأبيض ولا نسبه الشريف، وإنما تنفعه الحقائق التالية
ألف: الإياب إلى الله، والإياب يعني لغة: الرجعة، قال تعالى إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً (٢١) لِلْطَّاغِينَ مَآباً [النبأ: ٢١- ٢٢]. وقال حاكياً عن سليمان عليه السلام وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ [ص: ١٩]، وتسمى التوبة أوبة لأنها عودة الى الفطرة السليمة بعد الانحراف عنها قال تعالى رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً [الاسراء: ٢٥]. إن الناس كلهم خطاؤون ينحرفون عن الحق إلى الباطل في حياتهم عنادا، أو بسبب الضغوط أو حتى من دون شعور ولكن المؤمن يتميَّز عن الآخرين بأنه أولا لا يمارس الانحراف عن جحود وعناد، وثانيا بأنه لا يستمر على الخطأ بل يسعى لتصحيحه وعلاجه في أقرب فرصة ممكنة، فإذا به يستغفر بعد الذنب، وينتبه بعد الغفلة، ويستقيم بعد الانحراف، ويتذكر بعد الجهل، فكلما أبعدته ذنوبه عن الله تقرب اليه بالتوبة، وكلما استغفلته طبيعته المركوزة في الجهل تعينها ضغوط الحياة تذكر بآيات الله واستعان بإرادة الإيمان على الإقلاع من الانحراف، فهو يبالغ في التوبة إلى ربه ويكررَّها حتى إلى الذنب الواحد، الذي يتوب عنه ثم يعود إليه ثانية وثالثة، دون أن يدع اليأس يسيطر عليه، لإيمانه برحمة الله الواسعة وغفرانه ولماذا يقنط، اليأس من صفات الكافرين؟ ولماذا ييأس وهو يسمع نداء ربه في كتابه* قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣]، أو قوله عزَّ وجلَّ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٦]. فالمؤمن يرى مجرد غفلته عن ربه ابتعادا عنه فيؤوب اليه مآبا، فهو دائم الأوب ودائم التسامي ودائم العروج إلى الله بتأنيب الذات.
باء: المحافظة على حدود الله؛ مناهجه وشرائعه في الحياة الفردية والاجتماعية بجميع أبعادها، فإذا بك ترى الحق يتجلى في كل حركاته وسكناته. فهو كما وصفه الامام علي عليه السلام إذ قال
[قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِله سُبْحَانَهُ فِي أَرْفَعِ الأُمُورِ مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ وتَصْيِيرِ كُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ كَشَّافُ عَشَوَاتٍ مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ دَفَّاعُ مُعْضِلَاتٍ دَلِيلُ فَلَوَاتٍ يَقُولُ: فَيُفْهِمُ ويَسْكُتُ فَيَسْلَمُ قَدْ أَخْلَصَ لِله فَاسْتَخْلَصَهُ فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ وأَوْتَادِ أَرْضِهِ قَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ العَدْلَ فَكَانَ أَوَّلَ عَدْلِهِ نَفْيُ الهَوَى عَنْ نَفْسِهِ يَصِفُ الحَقَّ ويَعْمَلُ بِهِ لَا يَدَعُ لِلْخَيْرِ غَايَةً إِلَّا أَمَّهَا ولَا مَظِنَّةً إِلَّا قَصَدَهَا قَدْ أَمْكَنَ الكِتَابَ مِنْ زِمَامِهِ فَهُوَ قَائِدُهُ وإِمَامُهُ يَحُلُّ حَيْثُ حَلَّ ثَقَلُهُ ويَنْزِلُ