من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٣ - ولا يغتب بعضكم بعضا
ثم يوصينا السياق باجتناب الظنون إلا الظن الذي يدعمه الدليل العقلائي السائغ شرعا، لأن بعض الظن إثم، وهو الذي يحوِّله صاحبه إلى موقف عملي. وينهانا عن التجسس الذي هو التحقق من الظن السيئ، وينهانا عن الغيبة التي يَعُدُّها كأكل لحم الأخ ميتا، أوَلَسنا نكره ذلك، ويأمرنا في الخاتمة بالتقوى حتى لا تصبح الغيبة بتكرارها أمرا مألوفا وغير مستقبح، ويؤملنا رحمته وتوبته حتى لا نيأس من تطهير أنفسنا ومجتمعنا من هذه الرذائل.
بينات من الآيات
[١١] بدء فساد العلاقة بين الإنسان ونظيره تضاؤل قيمة الإنسان كإنسان في عينه، وآنئذ لا يحترم الناس بعضهم، ويبحث كل عن منقصة في صاحبه يسخره بها، ويدَّعي لنفسه مكرمة يفتخر بها، بينما لو أنصفنا أنفسنا لعرفنا أن سر احترامنا لأنفسنا هو أننا بشر نملك العقل والإرادة، ونتحسس بالألم واللذة، ونتحلى بالحب والعواطف الخيرة، أفلا توجد كل هذه في أبناء آدم جميعا، فلماذا أطالب باحترام الناس لي، ولا أجد لأحد حرمة؟
تعالوا ننظر لحظة ببصائرنا، حين أسخر من إنسان نظير لي في مجمل صفاته، أفلا يعني ذلك أني أسخر من نفسي أيضا؟
بلى، الذين يكفرون بقيمة الإرادة والعقل والحب والعواطف في أنفسهم هم الذين يكفرون بها في غيرهم ثم يسخرون منهم. إنهم ينسلخون من إنسانيتهم ثم يسمحون لأنفسهم بانتهاك حرمات غيرهم.
من هنا يَشْرع السياق في اجتثاث جذور الشقاق الاجتماعي بالنهي عن السخرية بالآخرين قائلا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ويخاطب المؤمنين لأن هذه الصفة لا تتناسب وإيمانهم بالله، أوَلَيس الإيمان بالله يعني حذف القيم الأرضية وتطهير النفس من احترام المال والبنين والشهرة والأرض و .. مما يسبب عادة في التفاخر. وحين ينهى ربنا عن السخرية فلأنها الخطوة الأولى في طريق النهاية. كيف؟
إن من أعظم مفاخر البشر ومزاياه صفة الحياء، حيث يتحسس الإنسان بفطرته النقية أن للآخرين حرمة لا بد أن يؤديها إليهم، ومن ملك الحياء لا يفكر في تجاوز الآخرين، فكيف يفكر في اغتصاب حقوقهم والاعتداء عليهم؟
وهكذا يسعى الشيطان لإزالة صفة الحياء، وحث الإنسان إلى الاستهانة بالآخرين، وتصغير قدرهم، والتصوير بأنهم أقل منه فيحق له إذا تجاوز حقوقهم بل الاعتداء عليهم.