من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٦ - إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا
أن الفطرة البشرية بذاتها تكره الانحراف بكل درجاته، كالكفر الذي يعني مخالفة الدين رأسا، والفسوق الذي يعني تجاوز حدود الشريعة والعصيان الذي هو ارتكاب بعض الخطايا، وهذه الثلاثة تعاكس الإيمان ومن دون تطهير القلب من أدرانها لايستقبل القلب روح الإيمان.
أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ قالوا: أصل الرشد الصخرة، ويسمى صاحب الرأي السديد بالراشد لاستقامته عليه، وشدة تصلبه فيه، فهو على يقين من أمره. ورشد المؤمن ناشئ من يقينه، وتصلبه في الحق إذ إنه عرف دربه الواضح فسوف لا يغيره.
وقد التفت السياق من الخطاب إلى الغيبة، ربما لأن مقام الراشدين رفيع لا بد أن يشار إليه بمثل كلمة أُوْلَئِكَ وهو مقام لا يناله إلا ذو حظ عظيم، فليس كل تالٍ للقرآن مخاطب بهذه الصفة العظيمة. والآية تدل على أن أساس الدين الحب، ولذلك يسعى المؤمنون لترسيخ وتنمية هذا الحب في أفئدتهم ويقولون
[وَاجْعَلْ لِساني بِذِكْرِكَ لَهِجاً، وَقَلْبي بِحُبِّكَ مُتَيَّماً] [١].
وجاء في صفة حزب الله المفلحين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤].
وحين سأل زياد الحذاء الإمام الباقر عليه السلام عن علاقة الدين والحبِّ، أجابه الإمام قائلا
[يَا زِيَادُ وَيْحَكَ وهَلِ الدِّينُ إِلَّا الحُبُّ أَ لَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
أَولَا تَرَى قَوْلَ اللهِ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه واله
حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وقَالَ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ
: الدِّينُ هُوَ الحُبُّ والحُبُّ هُوَ الدِّينُ] [٢].
[٨] وإذا كان الإيمان هدية الله إلى القلوب الطاهرة، فإنه فضل من الله لطائفة خاصة من البشر، وليس كسائر نعم الله شاملة للجميع.
فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يعلم أين ينبغي أن يجعل فضله ونعمته بحكمته البالغة.
[١] البلدالأمين، ص ١٨٥، من دعاء لأمير المؤمنين عليه السلام المعروف بدعاء كميل.
[٢] وسائل الشيعة: ج ١٦ ص ١٧١.