من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٥ - إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا
إليه يقول: [ومن العجب أن يجوز الشافعي ونظراؤه إمامة الفاسق ومن لا يؤتمن على حبة مال كيف يصبح أن يؤتمن على قنطار دين، وهذا إنما كان أصله أن الولاة الذين كانوا يصلون بالناس لما فسدت أديانهم ولم يمكن ترك الصلاة وراءهم، ولا استطيعت إزالتهم صلي معهم ووراءهم (وأضاف) ثم كان من الناس من إذا صلى معهم تقية أعادوا الصلاة لله، ومنهم من كان يجعلها صلاته. وبوجوب الإعادة أقول: فلا ينبغي لأحد أن يترك الصلاة مع من لا يرضى من الأئمة ولكن يعيد سرا في نفسه ولا يؤثر ذلك عند غيره] [١].
[٧] كيف تتموج الفتنة في المجتمع المسلم؟ إنها تشرع بشائعة تتلقفها الألسن ثم لا يلبث أن تتحول إلى تيار يجرف معه البسطاء، والانتهازيين، والفوضويين آنئذ تطفق الفتنة وأصحابها بالضغط على القيادة الشرعية التي عليها أن تختار بين الاستسلام لعاصفة الفتنة، أو خسران شريحة اجتماعية، فما هو الحل؟ الحل ينحصر في تحلَّي المجتمع بروح الانضباط وأن يعي الجميع أبعاد نعمة القيادة فيشكروها شكرا عمليا. حقا إن المجتمع الذي يعي أهمية القيادة الشرعية يتحصَّن ضد عواصف الفتنة الداخلية بالصلابة ذاتها التي يقاوم بها قواصف التحديات الخارجية. لذلك يأمر القرآن بأن نعلم دور الرسول فينا (ثم من يخلفه ويرث مقامه بدرجة ما).
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فهو إذن مبعوث من عند الله يحمل رسالة الحكمة والمعرفة والبصيرة، ومادام كذلك فلا بد من الرجوع إليه عند الفتن والشبهات، ولا يجوز الضغط عليه بقبول آرائكم وشهوات أنفسكم، لأن ذلك ليس من مصلحتكم.
لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وكيف لا تصيبهم المشقة والعَنَتُ وقد خالفوا العلم إلى الجهل، والحكمة إلى الجهالة.
وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ الرسالة نعمة وفضل، ووعي هذه الحقيقة يجعلنا نستفيد منها بصورة أفضل، أوَلَيس الذي يجهل أن له رصيدا كبيرا في البنك لا ينتفع به؟
والإيمان بالرسالة هو الآخر توفيق من عند الله ونعمة وفضل، صحيح أن العبد يخطو إلى ربه الخطوة الأولى، ويسلَّم للحق، ولكن لولا أن الله يحبب الإيمان في قلوب من يصلح له ما زكى أحدٌ من البشر أبدا. ولقد حبَّب الله الإيمان مرتين، مرة عندما خلق البشر على فطرة الإيمان بالله، ومرة عندما ألقى في أفئدة المسلمين لربهم الصالحين لتلقي نعمة الهدى حب الإيمان. كما
[١] تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ٢١٣.