من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٤ - إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا
وكذلك الشرط هنا: إذا جاءكم فاسق بنبأ .. فإن الشرط مقصود وغرضه تحديد النتيجة بأضيق الحدود، وهو كون المخبر فاسقا، ولهذا قال الأولون: إن هذا من مفهوم الشرط وليس من مفهوم الوصف والله العالم.
خامساً: ماذا يعني التبيُّن؟ يبدو أنه يشمل كل أسلوب يؤدي إلى حالة الوضوح عند الإنسان، ولأن الله قد خاطب عامة المؤمنين بهذه الكلمة، فإن مفهوم التبيُّن يكون عرفيا أيضا، بمعنى أن كل ما تطمئن إليه نفس الإنسان العادي، حتى لا يبقى فيه شك معقول أو ارتياب يعتني به العقلاء كاف حجة عند الله في الموضوعات.
إن التعليل في ذيل الآية فيه من السعة ما يشمل خبري العادل والفاسق معا بتفاوت، لأنه ناظر إلى الموارد التي يكون العمل فيها بجهالة، أي العمل بسفاهة وحمق، لأنّ الآية عوّلت على الجهالة. وخبر الفاسق مساوق للجهالة بينما خبر العادل يخضع لاعتبارات موضوع إخباره. والتبيُّن يتطلب بيِّنة للقبول تتناسب مع موضوعها .. والبيِّنة قد تكون شهادة عدلين أو الشياع المفيد للطمأنينة، أو شهادة الخبراء من خلال مجموعة متراكمة من الشواهد والآثار أو خبر العاقل العادل فإنه من التبيُّن عند العقلاء .. على أن العقلاء لا يعتمدون على بعض هذه الأدلة إذا كانت الظروف المحيطة باعثة للشك الحقيقي مثلا: الشياع الذي يعتقد أن منشأه شائعة مغرضة لا يورث طمأنينة في النفس فهو إذا ليس بحجة.
كما أن خبر العادل في ما لا يخفى عند غيره يرتاب فيه العقلاء إذا انفرد به كما لو أنبئنا بأن الإذاعة الفلانية نشرت هذا الخبر، علما بأنها لو نشرته لسمع أكثر الناس وتناقلوه .. أو أخبر برؤية الهلال في ليلة صافية مما نعلم أنه لو رآه هذا العادل لرآه غيره أيضا، وإذ لم يشهد برؤيته غيره فإن العقلاء يشكُّون في كلامه. كذلك الحوادث الخطيرة لا يعتمد العقلاء عادة على الخبر الواحد فيها مثل الحروب ..
عموما: حالة التبين تختلف عند العقلاء حسب الموضوعات فلا بد من الالتفات إلى ذلك، ولعل الحكمة التي سيقت في خاتمة الآية هي محور الحكم فعلينا أن ندور مداره، ونتفكر كيف نتجنب الوقوع في الجهالة والندم.
وهذه الآية ونصوص دينية أخرى تستهدف فصل الفسقة عن المجتمع الإسلامي نفسيا، وتقليل دورهم في إدارة القضايا الاجتماعية، فإذا امتنع المسلمون عن العمل بأخبار الفاسقين، فقد أبعدوهم عن القضاء والإعلام، والشهادة في المحاكم وعن أعمال أخرى.
من هنا نجد المفسر المعروف القرطبي ينقل هنا نصا عن ابن العربي يحسُن بنا الاستماع