من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٣ - لقد صدق الله رسوله الرؤيا
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً لذنوبهم وأخطائهم، لأن مسيرتهم العامة في الحياة مسيرة سليمة، والحسنات يذهبن السيئات كما ذكر القرآن. وَأَجْراً عَظِيماً جزاء لأعمالهم الصالحة.
والآية في هذا المقطع تدحض الفكرة القائلة بأن مجرد انتماء الإنسان إلى شخص أو تجمع صالح يكفيه، ويرفع عنه المسؤولية، كلا .. فهو مطالب بتحملها والعمل وفقها حتى النفس الأخير، كما قال الله وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٩]. يعني بذلك الموت، أما أن نتصور المسؤولية تنتهي بكون الفرد عالما، أو خطيبا، أو منتميا إلى حركة إسلامية فلا، والتأكيد على هذه الفكرة مهم لأن الكثير من الناس يعتقدون بأن وصولهم إلى مقام ما يرفع عنهم المسؤولية، ويحولها إلى غيرهم.
وأخيرا: إذا كان للرسول صلى الله عليه واله أصحاب فإن له إخوانا يأتون فيما بعده، وإذا لم نحظ بصحبته فلنسعَ للتآخي معه، وذلك بالالتزام بمبادئه، والسعي إلى تحقيق أهدافه في الحياة.
فقد جاء في الخبر عن أبي ذر رضي الله عنه قال: [قَالَ رَسَوُلُ اللهِ صلى الله عليه واله
أَتَدْرُونَ مَا غَمِّي وَفِي أَيِّ شَيءٍ تَفَكُّريِ وَإِلَى أَيِّ شَيءٍ أَشْتَاقُ؟
قَالَ أَصْحَابُهُ: لَا يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا بِهَذِهِ مِنْ شَيءٍ أَخْبْرنَا بِغَمِّكَ وَتَفَكُّرِكَ وَتَشَوقِكَ. قَالَ النَّبِيُ صلى الله عليه واله
أُخْبِرُكُم إِنْ شَاءَ اللهُ
، ثُمَّ تَنَفَّسَ. وَقَالَ
هَاه شَوقاً إِلَى إِخْوَانِي مِنْ بَعْدِي
. فَقَالَ أَبوُ ذَرٍّ: يَارَسُولَ اللهِ صلى الله عليه واله أَلَسْنَا إِخْوَانُكَ؟! قَالَ صلى الله عليه واله
لَا أَنْتُم أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِي يَجِيئُونَ مِنْ بَعْدِي شَأنُهُم شَأنُ الأَنْبيَاءِ، قَوْمٌ يَفرِوُّنَ مِنَ الآبَاءِ وَالأمْهَّاتِ، وَمِنَ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ، وَمِنَ القَرَابَاتِ كُلُّهُم ابتِغَاءُ مَرْضَاتِ اللهِ، يَتْركُونَ المَالَ لِلهِ، وَيذُلُّونَ أَنْفُسهَمُ بِالتَّواضُعِ لِلهِ، لَايَرْغَبُونَ فِي الشَّهَواتِ وَفُضُولِ الدُّنْيَا، مُجْتمِعُونَ فِي بَيتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، كَأنَّهُم غُرَبَاءُ مَحْزُونِينَ لِخَوفِ النَّارِ وَحُبِّ الَجنَّةِ، فَمَنْ يَعْلَمُ قَدْرَهُم عِنْدَاللهِ لَيسَ بَيْنَهمُ قَرَابةٌ وَلَامَالٌ، يُعْطُونَ بِهَا بَعْضَهُم لِبَعضٍ، أَشْفَقُ مِنَ الأبْنِ عَلَى الوَالدِ وَمِنَ الوَالِدِ عَلَى الوَلَدِ، وَمِنَ الأَخِ عَلَى الأَخِ، هَاه شَوقاً إِليِهم، يُفَرغِّوُنَ أَنْفُسَهُمُ مِنَ كَدَّ الدُّنْيَا وَنَعِيمِهَا بِنَجَاةِ أَنفُسِهِم مِنْ عَذَابِ الأَبَدِ وَدُخُوَلِ الجَنَّةِ لِمرَضَاةِ اللهِ
. وَاعْلَم يَا أَبَا ذَرٍّ: إِنَّ لِلَواحِدِ مِنْهُم أَجْر سَبْعِينَ بَدْرِيّاً. يَا أبَا ذَرٍّ: وَاحِدٌ مِنْهُم أَكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْ كُلِّ شَيءٍ خَلَقَ اللهُ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ.
يَا أبَا ذَرٍّ: قُلُوُبُهُم إِلَى اللهِ وَعَمَلُهُم لِلهِ لَو مَرِضَ أَحَدُهُم لَهُ فَضْلُ عِبَادَةِ أَلْفِ سَنَةٍ صِيَامٌ نَهَارُهَا وَقِيَامٌ لَيْلُهَا وإِنْ شِئْتَ حَتَّى أَزِيدُكَ.