من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٠ - وأثابهم فتحا قريبا
المؤمنين على الحرب والاستقامة قبلوا بالصلح.
إن الله سبحانه قد يقبل بيعة المؤمنين، ويغفر ذنوبهم كلها. أليست الحسنات يذهبن السيئات؟ بلى، إن الموقف البطولي يساوي عند الله الشيء الكثير، ويرجح في ميزانه على كل عمل، ولعله لذلك يغفر الله للشهيد كل ذنوبه.
ولقد كانت بيعة المؤمنين للرسول تحت الشجرة دليلا أكيدا على عمق إيمانهم بالرسالة، ولو لم يكونوا مؤمنين بمعنى الكلمة لما بايعوا الرسول صلى الله عليه واله وهم يعلمون أن المواجهة بينهم وبين المشركين لو حصلت تعني حسب المقاييس الظاهرة إبادتهم من الوجود، ومن هذا المنطلق كانت البيعة فارقا بين المنافقين وضعاف الإيمان وبين المؤمنين الصادقين، وهي كما كشفت فريق المخلفين ميَّزت المؤمنين وأفرزتهم، وهكذا تنفع المواقف الحرجة الحركة الرسالية في الكشف عن هوية أفرادها ونقاط القوة والضعف فيهم.
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الثبات وصدق الإيمان وعموم مؤهلات النصر الإلهي فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً وقد تجسد ذلك الفتح في الانتصارات والمغانم التي صار إليها المؤمنون بعد ذلك في معركة خيبر وفتح مكة وغيرهما، ولا شك أن المؤمنين كانوا يخسرون الكثير، وتفوتهم هذه الانتصارات لو كان قرارهم الانهزام، وهذه الحقيقة واضحة في تاريخ الأمم والحركات، فهي عندما تتمسك بمبادئها وأهدافها، وتستقيم من أجل ذلك رغم المصاعب والتضحيات، تصل إلى ما تريد بتضحيات أقل، بينما تقصر على غاياتها، وتعيش الذل والهوان، حينما تنقلب على أعقابها، وتدفع إضافة إلى ذلك أضعافا مضاعفة من الخسائر ضريبة للهزيمة.
ومن خلال الآيات المتقدمة يتضح أن المؤمنين وصلوا للمكاسب التالية نتيجة لثباتهم على العهد
- ١ تثبيت الإيمان في قلوبهم وزيادته.
- ٢ الفتح العسكري القريب إضافة إلى الفتح السياسي المتمثل في صلح الحديبية.
- ٣ المغانم الكثيرة معنوية وسياسية واقتصادية.
[٢٠] وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا في المستقبل، ولكنه عجل لهم أمرين
الأول: المغانم الأولية التي حصل عليها المؤمنون أثر الصلح، كدخول أفواج من الناس في الدين، وتحالف بعض القبائل مع الرسول، وحصول حالة من الأمن تمكنه من بناء حركته