من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٣ - إنا أرسلناك شاهدا
[١١] من معطيات السير نحو مكة، ومن تجليات الفتح المبين، كشف العناصر الضعيفة التي تعيش في الأمة، وحيث الله أعلم بعواقب الأمور، وواقع هؤلاء الناكثين، وأنهم سوف يظهرون للنبي من الأعذار والتبريرات غير الذي يضمرون، بين ذلك لرسوله، ولكي يتخذ منهم موقفا حاسما سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا وهل ذلك عذر مقبول في مثل هذه الفترة الحاسمة من حياة الأمة الإسلامية؟ بلى، إن هؤلاء يقترفون الأخطاء، ثم يحاولون خداع القيادة واسترضاءها بمجموعة من الأعذار الواهية لتستر خلفياتهم، وهم بذلك يرتكبون خطأ آخر بالإضافة إلى نكثهم وهو نفاقهم عبر تبريراتهم الكاذبة، ولكن الله يفضحهم، ويبين لرسوله واقعهم، وأنهم ليسوا صادقين في توبتهم، بل ولا في أعذارهم.
يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ من نفاق وخيانة، ولعل هذه الكلمة تنطبق أكثر شيء على تظاهرهم بالندم من تخلفهم ورجائهم الرسول بأن يستغفر لهم.
بلى، إن التبريرات قد تدفع عن الإنسان جزاء آتيا من أمثاله من البشر، أما جزاء الله فلا، لأنه لا يغيب عنه شيء أو يمنع إرادته أحد قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً هكذا أمر الله رسوله أن يفضح المنافقين، ويعلن واقعهم.
[١٢] بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً مما أثار فيهم الظنون والتصورات، التي انعكست على تفكيرهم، ولم يكن مصدر ظنهم هذا العلم الحاصل من تقييم الحوادث، إنما كان سببه الخوف والجبن، في صورة ثقافة سلبية ترتكز على التبرير.
وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ مَنْ زيَّن لهم التقاعس؟ إبليس وجنوده من الذين تجسدت فيهم ثقافته وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ربما يعني ذلك الحالة السلبية التي تؤثر في التفكير، ويزيغ بصاحبه نحو الأفكار المتشائمة.
وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً وهكذا تدرج أولئك الخاسرون في دركات السقوط درجة درجة، فزيَّن- أولا- الشيطان أعمالهم السابقة في قلوبهم حتى رأوها حسنة، ثم دفعهم ظن السوء إلى التقييم السلبي، وأخيرا هلكوا، ومن هنا نعرف أن بدايات الانحراف قد لا تستثير الإنسان، ولكنها خطيرة لأنها تهوي بالبشر إلى الهلاك المطلق.
[١٣] وقد عَدَّ الله هذه الخطوة دليلا على عدم الإيمان لدى هؤلاء، وتوعَّدهم بعذاب جهنم جزاء لهذا الكفر فقال وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيراً إذن