من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٨ - إنا فتحنا لك فتحا مبينا
استعدوا لحربه أو صده عنه، فلم تتحقق رؤياه في الظاهر، ولكنه صلى الله عليه واله دخله فاتحا في السنين اللاحقة، بسبب ذلك الصلح الذي أبرمه في تلك السنة.
المسلمون من جهتهم فهموا رؤيا الرسول صلى الله عليه واله على أنها تؤكد دخول مكة في تلك السنة، ولكنه صلى الله عليه واله مع علمه بالواقع جعلها غامضة، فلم يبيِّن لهم بأن النصر لا يأتيهم في ذلك العام، لأنه لو أخبرهم ربما تقاعسوا عن الجهاد، وإذ لم يخبرهم الرسول بواقع الأمر سارعوا نحو مكة يحدوهم أمل الانتصار، وانتهى الأمر بهم إلى صلح الحديبية الذي كان تمهيدا لفتح مكة المكرمة، ولو أن المسلمين دخلوا المسجد الحرام في ذلك العام فلربما فاتهم فتحها، وبالتالي فتح الجزيرة العربية، وانتشار الإسلام في الأرض.
إن الهدف القريب الذي توخَّاه المسلمون بعد إخبار الرسول لهم برؤياه هو دخول مكة، ولم يشأ الله أن يتحقق ذلك تمهيدا لتحقيق الهدف الأكبر وهو فتح مكة، والعبرة من ذلك أن لا يستعجل المسلمون للنتائج، وإنما ينبغي الانتظار ريثما تنضج الظروف.
بينات من الآيات
[١] إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ماذا تعني كلمة الفتح في هذه الآية؟
قال بعض المفسرين: [إن الآية وإن كانت نزلت قبل فتح مكة إلا أنها تعنيه وتؤكده وتبشر المؤمنين به]. وقال آخرون: [إنها تنصرف إلى فتح خيبر]. ولكن الآية تدل كما يبدو على الفتح السياسي والثقافي لمكة الذي سبق فتحها العسكري، فالفتح يكمن في الظروف المستجدة الملائمة للدعوة والمكتسبات المتاحة التي توالدت وتوالت وحطمت السدود السياسية والثقافية والنفسية. وقد تجسَّد ذلك في صلح الحديبية الذي مهَّد لفتحها عسكريا، ومنه انطلق انتصار الإسلام وانتشاره في الجزيرة العربية، ذلك لأن أية حركة ناشئة- بالذات تلك التي تعاكس أفكار المجتمع وعاداته- تسعى نحو اكتساب الاعتراف من المجتمع المحيط حتى تتحرك بحرية في التوسعة والانطلاق، وحركة الإسلام- فيما يتعلق بالجانب الظاهري منها وليس الغيبي- كانت في البدء حركة ناشزة عند المشركين حيث كان المجتمع الجاهلي يَعُدُّون المسلمين صابئة لأنهم في نظرهم متمردون على العادات والتقاليد، فحركتهم إذن حركة خارجة عن الشرعية.
والسؤال: متى تم الاعتراف بحركة الرسول في ذلك المجتمع؟.
لقد تمَّ ذلك في صلح الحديبية، حيث اعترفت من خلاله قريش التي كانت سيدة على مكة وسائر العرب بالرسول وأتباعه ورسالته كأمر واقع، وقد تأكد هذا الاعتراف بوضوح