من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٩ - فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون
واللعب هو السعي الذي يهدف غاية غير حكيمة (خيالية)، واللهو هو السعي الذي لا هدف له أبدا .. وما الدنيا إلا لعب ولهو لأن ما فيها يزول، لولا ما نبقي منها لحياتنا الحقيقية في الآخرة، وهو الذي يشير إليه السياق وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ في الدنيا كرامة وسعادة وعزا، وفي الآخرة جنات النعيم وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ قالوا: معنى ذلك أنه سبحانه لا يطلب منكم أجرا بإزاء هدايتكم، ولعل معناه أنه سبحانه يعترف لكم بالملكية، ولا يسلبكم الأموال بصورة كاملة دون إكراه، بل بالترغيب وهذا لا ينافي الأمر بالإنفاق لما فيه من فوائد عظيمة لكم، لأنه دليل واقعي على انتماء الفرد لمجتمع الإيمان والفضيلة، كما أنه سيجعل النفوس نقية صافية طاهرة، وسيجعل المجتمع متماسكا ملتحما ويسير بسرعة أكبر نحو التقدم.
[٣٧] ومن حكمة ربنا ورحمته بنا أنه لم يأمرنا بإنفاق جميع أموالنا، وإلا لم يكن يتمسك بعروة الإسلام إلا القليل من الناس يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ يجهدكم في المسألة من الإحفاء بمعنى الإصرار في المسألة تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ولكنه جعل دينه سهلا لينتمي إليه أكبر عدد من الناس، وإذا كان صعبا ويأمر بإنفاق كل المال كان يظهر البخل الذي تنطوي عليه أغلب النفوس.
[٣٨] وبالرغم من أن الله لم يأمرنا بإنفاق جميع الأموال، ترى البعض يبخلون، كما بخلوا بأنفسهم حين أمروا بالقتال هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ لأنهم لم يعلموا أنفسهم على البذل والعطاء والتضحية، وجذبهم حب الدنيا وأوثقهم بوثائقه، ومن ثَمَّ تصوروا أن الإنفاق مغرم، بينما هو مغنم كبير وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ لأنه لو أنفق شيئا لرُدَّ إليه أضعافا مضاعفة، وحاز على رضوان الله الأكبر. وأي خسارة كهذه الخسارة، أن يحرم الإنسان ثواب ربه ورضاه؟! ولا يدل أمر الله بالإنفاق على حاجته إلى ما نملك، تعالى عن ذلك علوا كبيرا وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ ولأننا فقراء يجب علينا أن ننفق حتى يغنينا من فضله وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ فإذا بخلت أمة عن العطاء، فإن الرب يستبدل بها أمة خير منها، تنفق من أموالها، وتجاهد في سبيل الله، وتقدم التضحيات تلو التضحيات، وتصبر وتستقيم.
إن توفيق حمل الرسالات الإلهية شرف عظيم لا يعطيه الله إلا لمن استعد لدفع ثمنه، وثمنه خوض القتال والإنفاق، فإذا ضعفت أمة عنها قيَّض الله لها أمة أخرى! والواقع: أن التاريخ يشهد أن رسالة الإسلام حملها بعد العرب شعوب أخرى كالبرابرة والفرس والأتراك، وإذا خذلها المسلمون اليوم فقد يقيِّض الله لها من أقصى الأرض من يحملها ويؤدي حقها ثم لا يكونوا أمثال المسلمين.