من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٧ - أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها
قلوبهم من مرض، ذلك لأن النفاق- في القلب وكحالة فردية- والخوف الذي يحوِّل الإنسان عن قتال الأعداء، جرم كبير وضلالة بعيدة، لأنه يجر صاحبه إلى الاستسلام للطاغوت وفقدان استقلاله أمام الغزاة، والتنازل عن قيمه وشخصيته خشية بطش الجبارين وكل من ارتد عن الدين أو أتبع الظالمين انساق إلى مصيره الأسود بسبب تلك الأمراض الخطيرة التي تمكنت من قلبه.
[٢١] بينما لو أطاعوا أوامر الرسالة، واستقبلوها برضى، وطهروا قلوبهم من الأمراض الفتاكة، وصدقوا في الظروف الصعبة، لكانوا يعيشون العزة والكرامة والاستقلال طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ عزم الأمر، يعني بلغ الموقف حدّاً يستدعي الهزيمة والإرادة النافذة، وقال البعض معناه: جد القتال.
ونستوحي من هذه الآية بصيرتين
الأولى: إن قول المعروف عند صدور أوامر الرسالة وبرامجها بعد التسليم والطاعة مؤشر واضح على تفاعل الإنسان مع الرسالة، وصدق انتمائه لها، وخلوِ قلبه من حسكة النفاق وأي مرض آخر، كالجهل والجبن والتكبر، لأن هذه الأمراض تجعل الإنسان يعيِش حالة التقزز والاشمئزاز والضجر مما يظهر على فلتات لسانه، فلا يقول قولا معروفا عند المواقف الصعبة.
وبالرغم من أن المنافقين قد يعيشون هذه الحالة، ولكن الظرف قد يستدعي منهم أن يكتموها، بيد أنه عندما يعزم الأمر لا يمكنهم كتمان واقعهم.
إن مرضى القلوب هم الذين يؤدون الطاعات، ويعملون الصالحات على كره، فلذلك تراهم يرفقونها بالحديث السلبي معها، ولذلك تراهم لا يقضون صلاتهم إلا ويتبعونها بالقول تضجرا، كم هي ثقيلة هذه الصلاة؟! ولا ينهون صوم يوم من أيام رمضان إلا ويقولون كم هو مرهق هذا الصيام؟! ولا يزكون ويخمسون إلا ويضجون: لقد أفقرنا هذا الدين .. في حين كان عليهم أن يتحسَّسوا هذه النعم الجسام، ويحمدوا الله عزَّ وجلَّ على أن وفقهم لها، ولكنه الجهل والتكبر والنفاق وحبّ الدنيا كل أولئك لا يدع الإنسان يعرف قيمة الرسالة، ونفعها العميم للإنسان.
الثانية: نستوحي من قوله تعالى طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أن علينا أن ننفذ الأوامر الرسالية ونسعى جاهدين من أجل تحقيقها دون نقاش أو تبرير أو جدال أو معارضة، لأنها صادرة من الله تبارك وتعالى. والواجب علينا أن نروِّض أنفسنا لتستجيب ونتفاعل مع الأحكام الإلهية. ولكن كيف؟