من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٦ - أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها
تستقبل زخات الغيث المباركة، فإذا نزلت عليهم سورة وعوها واستعدوا لتنفيذ أحكامها، وإذا لم تزل تراهم يتساءلون أفلا حبينا بها، أفلا قرت أعيننا بالنظر إلى آيات جديدة؟!
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ وذلك لسببين
أولًا: لما يغمر قلوبهم من اللهفة إليها، ولما تنطوي جوانحهم من العزم الشديد للعمل بكل ما فيها من أوامر.
ثانياً: ليقطعوا جدل وتشويش الذين في قلوبهم مرض كما مرّ آنفا حيث يقولون لما يستمعون للرسول مَاذَا قَالَ آنِفاً، بيد أن حقيقة المشكلة لا تكمن في إحكام البيان بحيث لا يحتمل أي جدل فاسد وإنما في النفس، وقد شخَّصت الآيات الداء والعلاج في تقابل التقوى ومرض القلب، فالمتقون لا يقعون في التأولات الفاسدة والجدل الفارغ لتبرير الهروب من المسئولية وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ بينما مرضى القلوب هؤلاء الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فالذين في قلوبهم مرض، فإنهم على عكس المؤمنين تماما، إذ يتخوفون أن تنزل عليهم أوامر جديدة، تأمرهم بالقتال مع العدو، لأنهم لا يملكون الاستعداد الكافي لتطبيق الأحكام.
فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ لا يمكن الجدال لأنها واضحة لا تحتمل التأويل وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ آنئذ تبلى حقائق الرجال رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ من نفاق، أو شك، أو جبن يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ وهكذا يمتاز المؤمنون عن هؤلاء الذين في قلوبهم مرض، لأن المؤمنين يثبتون في مختلف الظروف، بينما هؤلاء في حالة من الرعب تشبه حالة المحتضر الذي يشخص ببصره فزعا، وهو فاقد لقدرة التركيز وربما قال ربنا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ولم يقل: (الذين نافقوا) لأن الخط المنحرف لا يقتصر على المنافقين، بل يضم الكثير ممن يزعمون أنهم مؤمنون ولكن وجود المرض فيهم يجرهم إلى خط النفاق، وعلى أقل تقدير سيكونون التيار الذي يتكئ عليه عصبة النفاق في التنفذ داخل المجتمع، ويتوضح لنا من بعض الآيات أن الذين في قلوبهم مرض هم طائفة أخرى غير المنافقين، يقول عزَّ وجلَّ* لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ [الأحزاب: ٦٠]. يهدِّد القرآن هؤلاء، ويوعدهم العاقبة السوأى قائلا فَأَوْلَى لَهُمْ تستخدم هذه الكلمة في اللعن، واختلفوا في معناها الدقيق، هل هو بمعنى: يليه مكروه، أو لهم الويل أو الموت أولى لهم، ويبدو أن هذه الكلمة تأتي بعد بيان سيئة من سيئاتهم فعلا أو قولا فيكون معناها إنهم يستحقون تلك السيئة وهم أحق بها، وأولى من غيرهم، وفي المقام يكون المعنى أن هذه العاقبة السيئة التي انتهوا إليها من رفضهم لسورة القتال يستحقونها لما كان في