من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٦ - فاصبر كما صبر أولو العزم
[٣٥] لكي تمضي سُنُّة الامتحان في الكافرين كما أرادها الله بحكمته البالغة، لا بد أن يكتفي المنذرون بالبلاغ، ويصبروا على أذى قومهم دون أن يستعجلوا لهم العذاب.
ولكي لا يتحول الصراع مع الكفار إلى صراع ذاتي بين طائفة وأخرى، بل يبقى نقيا عن أية مصلحة مادية لأهل الحق حتى تتم الحجة على أعدائهم، لا بد من الصبر فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ أوَلَيس الرسول صلى الله عليه واله منهم وهو أفضلهم، فيصبر كما صبر نوح عليه السلام عندما دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما فلم يؤمن به إلا نفر قليل، وكما صبر إبراهيم عليه السلامعندما ألقي في النار، وعندما هاجر إلى ربه، وعندما أسكن من ذريته بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم، وعندما حاول ذبح ابنه استجابة لأمر ربه، وكما صبر موسى عليه السلام في مواجهة أعتى طاغوت مع شعب خائر العزيمة كبني إسرائيل، وكما صبر عيسى عليه السلام على مكاره الدنيا بزهده ومقاومته لعتاة بني إسرائيل.
هؤلاء هم أولو العزم من الرسل الذين أخذ الله منهم ميثاقا غليظا، لأنهم كانوا أصحاب شريعة جديدة، لكل أهل الأرض، وكانوا بحاجة إلى صبر عظيم لتبليغها إلى الناس.
فقال ربنا سبحانه عنهم وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً [الأحزاب: ٧]. وهذه الآية تشهد على مدى الأذى الذي كان ينتظر هذه الصفوة الخالصة من الأنبياء فأخذ منهم ميثاقا غليظا على ضرورة الصبر عليه.
وقال ربنا وهو يبيِّن أن هؤلاء الخمسة المطهرين هم أصحاب شريعة* شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى [الشورى: ١٣]. وهكذا جاء في الحديث عن الإمام الباقر والصادق عليه السلام
[سَادَةُ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ خَمْسَةٌ وهُمْ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وعَلَيْهِمْ دَارَتِ الرَّحَى نُوحٌ وإِبْرَاهِيمُ ومُوسَى وعِيسَى ومُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وعَلَى جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ]
[١]. أما عن سبب تسمية هؤلاء الخمسة بأولي العزم فقد جاء في حديث مروي عن الإمام الصادق عليه السلام قال
[لِأَنَّ نُوحاً بُعِثَ بِكِتَابٍ وشَرِيعَةٍ وكُلُّ مَنْ جَاءَ بَعْدَ نُوحٍ أَخَذَ بِكِتَابِ نُوحٍ وشَرِيعَتِهِ ومِنْهَاجِهِ. حَتَّى جَاءَ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام بِالصُّحُفِ وبِعَزِيمَةِ تَرْكِ كِتَابِ نُوحٍ لَا كُفْراً بِهِ فَكُلُّ نَبِيٍّ جَاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام أَخَذَ بِشَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ ومِنْهَاجِهِ وبِالصُّحُفِ. حَتَّى جَاءَ مُوسَى بِالتَّوْرَاةِ وشَرِيعَتِهِ ومِنْهَاجِهِ وبِعَزِيمَةِ تَرْكِ الصُّحُفِ. وكُلُّ نَبِيٍّ جَاءَ بَعْدَ مُوسَى عليه السلام أَخَذَ بِالتَّوْرَاةِ وشَرِيعَتِهِ ومِنْهَاجِه. حَتَّى جَاءَ المَسِيحُ عليه السلام بِالإِنْجِيلِ وبِعَزِيمَةِ تَرْكِ شَرِيعَةِ مُوسَى ومِنْهَاجِهِ فَكُلُّ نَبِيٍّ جَاءَ بَعْدَ المَسِيحِ أَخَذَ بِشَرِيعَتِهِ ومِنْهَاجِهِ حَتَّى جَاءَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه واله فَجَاءَ بِالقُرْآنِ وبِشَرِيعَتِهِ
[١] الكافي: ج ١ ص ١٧٥.