من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٠ - والذين كفروا عما أنذروا معرضون
ويتساءلوا في أنفسهم: كم هي عظيمة رسالات ربهم، وكم حظهم عاثر لو استخفوا بها أولم ينفذوا كل تعاليمها؟ حقا: إنه يسقط عنا- نحن المؤمنين- حجاب العادة الذي يمنع إيماننا من التسامي، كما يسقط عن الآخرين حجاب الاستكبار الذي يمنعهم عن رؤية شواهد صدق الرسالة، فتراهم- مثلا- يغفلون عن شهادة العلماء بصدق الرسالة، ولا يسألون أنفسهم: كيف أسلم علماء بني إسرائيل للرسالة الجديدة، كأمثال عبد الله بن سلام الذي كان معروفا عندهم بالصدق والنزاهة؟
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ بالرغم من مخالفة الإيمان ظاهرا لمصلحته. أليس يفقد مكانته عند قومه كقائد، ويصبح جنديا في جيش الإسلام؟
وَاسْتَكْبَرْتُمْ عن الحق، فلم تؤمنوا به بالرغم من البينات التي تواترت على صدقه.
بلى، إن الحجاب الكبير الذي يحجز نور الإيمان عن قلوبهم هو استكبارهم في الأرض، وظلمهم للناس. أوَلَيس الظلم ظلاما دامسا؟ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
[١١] ما الذي يمنع الظالمين من الإيمان بالرسالة؟ إنه استكبارهم على الناس، واعتقادهم بتميزهم عنهم، حتى لو سبق طائفة منهم إلى الإيمان بالرسالة كفروا بها ترفعا عن التساوي معهم، وقالوا: كيف نسمح لأنفسنا أن نكون عند الناس من اللاحقين، بينما يسبقنا إلى الرسالة من هم أدنى منا؟ إذا دعنا نكفر بها خشية العار!
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ لقد كانت القبائل العربية في الجاهلية شديدة الخلاف بينها، تتعالى على بعضها، ولا ترضى أن تعترف بأية فضيلة لبعضها، فإذا آمنت قبيلة كفرت المنافسة لها حتى لا تسجل لخصمها نقطة عليها.
مثلا كانت قبيلة غفار البدوية تُستْصَغَر من قبل قريش، وتسميها الحلفاء استهانة بها، فلما أسلم أبو ذر الغفاري وأسلمت معه قبيلته قالت قريش:) غفار الحلفاء!! لو كان هذا خيرا ما سبقونا إليه ( [١]. وهكذا كفرت بنو عامر وغطفان وتميم وأسد وحنظلة وأشجع، وقالوا لمن أسلم من غفار وجهينة ومزينة وخزاعة: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا إليه رعاة البقر إليهم إذ نحن أعزُّ منهم [٢].
كما أن اليهود الذين استوطنوا الجزيرة العربية بزعم انتظارهم للنبي الموعود فيها كفروا
[١] قال ابن المتوكل أن الآية نزلت فيهم) تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ١٨٩).
[٢] قال الكلبي والزجاج وحكي عن ابن عباس أن الآية نزلت فيهم (تفسير القرطبي: ج ١٦ ص ١٩٠).