من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٢ - والذين كفروا عما أنذروا معرضون
وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ والعلاقة متينة بين خاتمة الآية وفاتحتها، حيث إن الذين كفروا يعلمون أن الله لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى، ثم تترى عليهم نذر ربهم فيعرضون، فهل هم غافلون عما تشير له أيات التدبير والحكمة! فالإنذار يستثير الانتباه إلا أنهم معرضون فلا ينتفعون بالنذر.
[٤] وقد يتهرب الإنسان من هذه الحقيقة بالشرك الذي هو حجاب بين الإنسان وبين فهم الحقائق، فيزعم بأن شيئا ما يستطيع إنقاذه من قبضة الموت أو الحساب من بعده.
قال الإمام علي عليه السلام
[مَا رَأَيْتُ إِيمَاناً مَعَ يَقِينٍ أَشْبَهَ مِنْهُ بِشَكٍّ عَلَى هَذَا الإِنْسَانِ إِنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ يُوَدِّعُ إِلَى القُبُورِ وَيُشَيِّعُ وَإِلَى غُرُورِ الدُّنْيَا يَرْجِعُ وَعَنِ الشَّهْوَةِ وَالذُّنُوبِ لَايَقْلَعُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِابْنِ آدَمَ المِسْكِينِ ذَنْبٌ يَتَوَكَّفُهُ وَلَا حِسَابٌ يَقِفُ عَلَيْهِ إِلَّا مَوْتٌ يُبَدِّدُ شَمْلَهُ وَيُفَرِّقُ جَمْعَهُ وَيؤتم [يُوتِمُ] وُلْدَهُ لَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَاذِرَ مَا هُوَ فِيهِ بِأَشَدِّ النُّصُبِ وَالتَّعَبِ ...] [١].
وقال الإمام الصادق عليه السلام
[مَا خَلَقَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ يَقِيناً لَا شَكَّ فِيهِ أَشْبَهَ بِشَكٍّ لَا يَقِينَ فِيهِ مِنَ المَوْتِ] [٢].
إن الناس كلهم يموتون، وهذه حقيقة لا شك فيها، ولكن أغلبهم يتصورون في خبيئة أنفسهم أنهم يبقون ويخلدون في الدنيا، ولعل سبب ذلك هو فظاعة تصور الموت وما وراءه من حساب دقيق وجزاء أوفى، ولذلك تراهم يتشبثون بأي تبرير ليقنعوا أنفسهم بأنهم لا يموتون أو لا يحاسبون، وهنا تنعقد نطفة الشرك والتوسل بغير الله ابتغاء إنقاذهم من مصيرهم المحتوم، فقد يتصورون المال منقذا لهم من الموت، فتراهم يجمعون البلايين من الدنانير، ويحرصون في الحصول على الأكثر، بالرغم من أن تلك الأموال الهائلة تكفيهم وتكفي ذرياتهم إلى عشرات الأجيال، ولكنهم لا يريدون المال للعيش به، وإنما لسد النقص الذي يشعرون به في أنفسهم، إنهم فعلا يفتشون عن الخلود، ويخافون العاقبة المرة، يقول تعالى موضحا هذه الحقيقة الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ [الهمزة: ٢- ٣]، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [الشعراء: ١٢٩].
وقد يتصورون السلطة سببا للفرار من الموت، ووسيلة للهروب من الفناء، قال تعالى عن فرعون وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ [القصص: ٣٩]، وقد يتصورون أن القوة المحدودة التي يملكونها تحجز عنهم
[١] بحار الأنوار: ج ٦ ص ١٣٧.
[٢] من لا يحضره الفقيه: ج ١ ص ١٩٤.