من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦١ - والذين كفروا عما أنذروا معرضون
البليغة، فترى يذكر بها- مثلا- في وصيته لابنه الحسن عليه السلام حيث يقول في أولها
[مِنَ الوَالِدِ الفَانِ المُقِرِّ لِلزَّمَانِ المُدْبِرِ العُمُرِ المُسْتَسْلِمِ لِلدُّنْيَا السَّاكِنِ مَسَاكِنَ المَوْتَى وَالظَّاعِنِ عَنْهَا غَداً إِلَى المَوْلُودِ المُؤَمِّلِ مَا لَا يُدْرِكُ السَّالِكِ سَبِيلَ مَنْ قَدْ هَلَكَ غَرَضِ الأَسْقَامِ وَرَهِينَةِ الأَيَّامِ وَرَمِيَّةِ المَصَائِبِ .....
ثم يشرع فيها عليه السلام، وكان مما قاله خلالها: [وَذَلِّلْهُ- قلبك- بِذِكْرِ المَوْتِ وقَرِّرْهُ بِالفَنَاءِ وبَصِّرْهُ فَجَائِعَ الدُّنْيَا وحَذِّرْهُ صَوْلَةَ الدَّهْرِ وفُحْشَ تَقَلُّبِ اللَّيَالِي والأَيَّامِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَالِكَ المَوْتِ هُوَ مَالِكُ الحَيَاةِ وأَنَّ الخَالِقَ هُوَ المُمِيتُ وأَنَّ المُفْنِيَ هُوَ المُعِيدُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَمَامَكَ عَقَبَةً كَئُوداً المُخِفُّ فِيهَا أَحْسَنُ حَالًا مِنَ المُثْقِلِ والمُبْطِئُ عَلَيْهَا أَقْبَحُ حَالًا مِنَ المُسْرِعِ وأَنَّ مَهْبِطَكَ بِهَا لَا مَحَالَةَ إِمَّا عَلَى جَنَّةٍ أَوْ عَلَى نَارٍ فَارْتَدْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ نُزُولِكَ ووَطِّئِ المَنْزِلَ قَبْلَ حُلُولِكَ فَلَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ مُسْتَعْتَبٌ ولَا إِلَى الدُّنْيَا مُنْصَرَفٌ.
وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا ولِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ ولِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ وأَنَّكَ فِي قُلْعَةٍ ودَارِ بُلْغَةٍ وطَرِيقٍ إِلَى الآخِرَةِ وأَنَّكَ طَرِيدُ المَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو مِنْهُ هَارِبُهُ ولَا يَفُوتُهُ طَالِبُهُ ولَابُدَّ أَنَّهُ مُدْرِكُهُ فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ فَيَحُولَ بَيْنَكَ وبَيْنَ ذَلِكَ فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ.
يَا بُنَيَّ أَكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ المَوْتِ وذِكْرِ مَا تَهْجُمُ عَلَيْهِ وتُفْضِي بَعْدَ المَوْتِ إِلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ وقَدْ أَخَذْتَ مِنْهُ حِذْرَكَ وشَدَدْتَ لَهُ أَزْرَكَ ولَا يَأْتِيَكَ بَغْتَةً فَيَبْهَرَكَ.
رُوَيْداً يُسْفِرُ الظَّلَامُ كَأَنْ قَدْ وَرَدَتِ الأَظْعَانُ يُوشِكُ مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ.
واعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وإِنْ كَانَ وَاقِفاً ويَقْطَعُ المَسَافَةَ وإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً واعْلَمْ يَقِيناً أَنَّكَ لَنْ تَبْلُغَ أَمَلَكَ ولَنْ تَعْدُوَ أَجَلَكَ] [١].
هكذا أشبع عليه السلام وصيته بتلك الحقيقة، ولو نظرنا في خطبه ورسائله وحكمه في نهج البلاغة لرأينا أن أغلبها يركز على تلك الحقيقة وتحوم حولها.
وهكذا القرآن الحكيم يذكر البشر بالموت والنشور والحساب والجزاء، وأن الإنسان محدود، وأنه إذا جاءه أجله لا يستأخر ساعة ولا يستقدم، ولكن أكثر الناس لا يعقلون هذه الحقيقة، سادرين في الغفلة حتى ينتهي أجلهم، ويفاجئهم الموت.
[١] نهج البلاغة: رسالة ٣١.