من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٨ - فلله الحمد وله الكبرياء
قُلْتُ: ومَا غَمْصُ الخَلْقِ وسَفَهُ الحَقِّ؟ قَالَ يَجْهَلُ الحَقَّ ويَطْعُنُ عَلَى أَهْلِهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ نَازَعَ اللهَ عَزَّ وجَلَّ رِدَاءَهُ] [١].
[٣٢] ولكي نتخلَّص من الكفر والاستكبار والإجرام يجب أن نجعل الحق هو المحور، وأن نتذكر بالآخرة، ونخشى الجزاء فيها.
وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا لم ينكرون الآخرة على شدة وضوحها، فالإنسان يرى بفطرته أن الجزاء واقع، كما يرى تحقيق ذلك في الدنيا، فمن يظلم يبتليه الله، بينما يحصل المحسن على جزاء حسن، ولكنه يرى أن سنَّة الجزاء ليست دائمة في الدنيا ولا وافية مما يهديه إلى يوم الجزاء الأوفى.
وحين يراجع قلبه يراه مقتنعا به، إلا أنه يجحد به لاستكباره عنادا وعتوا، ويتساءل: ما الساعة؟ أيان مرساها، وما أشراطها، وكيف يبعث الله الرميم، وكيف تتمثل الأعمال فيها تمثلا؟
قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ كذلك يجعلون جهلهم بالساعة (كيف ومتى ..) عذرا لإنكارها، بينما العقل يدعوهم إلى الإيمان بالحقيقة إذا توافرت لديهم الشواهد، ثم السعي لمعرفة المزيد من تفاصيلها. أرأيت لو تكاملت الحجة على وجود مدينة في أقصى الشرق، ولكن لا تعرف عنها شيئا كثيرا، فهل تنكر وجودها رأسا أم تعترف بها ثم تبحث عن التفاصيل؟
والواقع: أن كثيرا من الناس ينكرون حقائق الرسالة لأنهم لا يعرفون التفاصيل عنها، بل تراهم يعادونها بمجرد جهلهم بأبعادها، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام
[النَّاسُ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا] [٢].
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ هكذا شككوا أنفسهم حتى زعموا أنهم لا يملكون إلا الظن دون اليقين، ولكن هَبْ أنهم يظنون أفلا تدعوهم عقولهم إلى أخذ الحيطة والحذر؟! فالظن ليس مبررا للجحود بالساعة. أوَلَيس مجرد الظن بوجود أسد في الغابة كافيا لأخذ الحيطة؟ وكذا الظن بالساعة يجب أن يدفعنا إلى تجنب خطرها.
[٣٣] وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا سيئات الأعمال هي حقائقها، غير البادية يوم الدنيا، تبدو لهم لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: ٢٢]، بأن
[١] الكافي: ج ٢ ص ٣١٠.
[٢] نهج البلاغة: حكمة ٤٤٧.