من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٣ - أرأيت من اتخذ إلهه هواه
فهو اندثار الشيء، وهو يتناسب مع الزوال بعذاب ومع الظروف التي تمحو آثار الميت وكأنه قد تلاشى، كما استُخدم الهلاك في قوله سبحانه وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا [غافر: ٣٤]، وقوله تعالى يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ [النساء: ١٧٦]، وقوله كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]، فهلاك يوسف اندثار رسالته، وعدم التقيد بها، وهلاك المرء انتهاء دوره حتى أن الكلالة يتقاسمون إرثه، وكذا في الآية الثالثة حيث يتم تلاشي كل شيء إلا وجه الله، كما قال ربنا سبحانه كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦]. والله القادر على الإحياء والإماتة هو القادر على البعث والنشور.
ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ إذا كان يوم القيامة لا ريب فيه، فلماذا نرى أكثرهم لا يعلمون بها؟.
بلى، يوم القيامة لا ريب فيه واقعا، أي لا محالة واقع، وليس في ذلك تردد، ولكن أكثر الناس لا يعلمون بهذا الواقع، ولا يغيِّر جهل البشر من الواقع شيئا، فنحن نجهل- مثلا- وجود منظومة شمسية في آخر آماد هذا الفضاء، فهل يجعل جهلنا بها وجودنا عدما؟ كلا .. ولعل هذه الآيات في القرآن تعالج حالة نفسية عند البشر أنه يزعم أن مجرد شكه في شيء يجعله في حل من الالتزامات المرتبة على وجوده، ومن ثَمَّ يتجاهل أشياء واضحة بزعم أنه يدرأ عن نفسه أخطارها، كالنعامة التي تخفي رأسها زاعمة أنها إذا لم تر الصياد فإنه لا يراها! كلا .. الواقع واقع، سواء آمنت به أو لم تؤمن، فإذا كان ذلك الواقع كيوم القيامة الرهيب فإن تجاهله مأساة حقيقية للإنسان.
[٢٧] وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ أولئك الجاهلون يزعمون أن تكذيبهم بالساعة واستهزاءهم بها يكفيهم، كلا .. يقول ربنا: إن ملك السماوات والأرض لله، والله لا يعطي شيئا منها لأحد باطلا، وإنما رزقهم منها ما يمتحنهم به، فإذا عملوا باطلا فإنهم يخسرون يوم القيامة. أليست الدنيا مزرعة الآخرة؟ أليس ما بأيدينا من قوة ومال وبنين هو رأسمالنا الوحيد، فإذا لم نصلح أمره بل جعلناه في يد اللهو والباطل فإن ذلك الخسران؟
[٢٨] ويقص علينا حالة الأمم التي قالت وعملت باطلا في ذلك اليوم الرهيب، ويقول وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً الجثو: هو الجلوس على الركب بخشوع وذُلّ.
كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا إن الكتاب هو كتاب أعمال الأمم.