من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٤ - ثم جعلناك على شريعة من الأمر
بينات من الآيات
[١٦] إن تنظيم العلاقة الاجتماعية على محور الحق هو الأساس لبناء المدينة العادلة، والكتاب النازل من عند الله يهدف هذا النمط من نظم العلاقة. والحكم يقتضي وجود حاكم ومحكوم وأداة حكم، وهكذا نلاحظ آيات (الحكم) في سياق الحديث عن الرسل والربانيين والأحبار.
إن الحق هو الهدف، أما وسيلة المجتمع المؤمن لبلوغه فهو الرسول الذي يحكم بالكتاب المنزل من عند الله، فهو الميزان (الكتاب والرسول معاً).
فإذن حكم الله هو حكم الرسول الذي جاء بالكتاب ويحكم بالكتاب، ومن لم يحكم به فهو ليس بمؤمن بالله ولا عامل بشريعة الله، ولا طالب للعدل. وبتعبير آخر؛ إنه كافر وفاسق وظالم وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ
أولًا الْكِتَابَ التوراة، والإنجيل، والزبور، التي أثارت عقولهم، وبرمجت حياتهم.
ثانياً وَالْحُكْمَ فلقد جعل الله في بني إسرائيل ملوكا حاكمين.
ثالثاً وَالنُّبُوَّةَ فقد جعل الله في بني إسرائيل أنبياء كثير منذ يعقوب عليه السلام حتى عيسى عليه السلام، وهذا العدد من الأنبياء نعمة كبيرة لبني إسرائيل وفخر عظيم، لأن عظمة الأمة تقاس بعدد ونوعية النخبة الطيبة فيها، وعالمنا اليوم يقيس تقدم الأمم بنسبة الكفاءات فيها، وهكذا أضحت بنو إسرائيل أمة متقدمة على سائر الأمم في عصرهم، ثم إن الله يحفظ الناس ويمنع عنهم العذاب بأنبيائهم وصالحيهم، قال تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: ٣٣].
وأمّا نحن كمؤمنين يجب أن نعرف أنه كلما كثر فينا الصالحون والعلماء الربانيون والرساليون المخلصون أمسينا أقرب إلى الانتصار بإذن الله.
رابعاً وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ فقد رزق الله بني إسرائيل رزقا حسنا بعد أن أمرهم بدخول باب حطة إلى القرية المقدسة التي بارك فيها.
خامساً وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ في الحضارة عن غيرهم من سائر الأمم من قبلهم ومن كانوا في زمانهم، ولعل في الآية إشارة إلى أن هذا التفضيل كان بسبب تلك النعمة الآنفة، فلما زالت زال فضلهم.
[١٧] سادساً وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنْ الأَمْرِ يبدو أن الأمر في لغة القرآن يعني ما يُعزم فيه إدارة المجتمع ويكون محل اشتغال القيادة، قال تعالى وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ