الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨١ - التّفسير
ثمّ يضيف: وَ اللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ، وَ الصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ. [١] في الحقيقة أنّ هذه الأقسام الثلاثة مرتبطة بعضها بالآخر و مكملة للآخر، و كذلك لأنّنا كما نعلم أنّ القمر يتجلى في الليل، و يختفي نوره في النهار لتأثير الشمس عليه، و الليل و إن كان باعثا على الهدوء و الظلام و عنده سرّ عشاق الليل، و لكن الليل المظلم يكون جميلا عند ما يدبر و يتجه العالم نحو الصبح المضيء و آخر السحر، و طلوع الصبح المنهي الليل المظلم أصفى و أجمل من كل شيء حيث يثير في الإنسان إلى النشاط و يجعله غارقا في النور الصفاء.
هذه الأقسام الثلاثة تتناسب ضمنيا مع نور الهداية (القرآن) و استدبار الظلمات (الشرك) و عبادة (الأصنام) و طلوع بياض الصباح (التوحيد)، ثمّ ينتهي إلى تبيان ما أقسم من أجله فيقول تعالى: إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ. [٢] إنّ الضمير في (إنّها) إمّا يرجع إلى «سقر»، و إمّا يرجع إلى الجنود، أو إلى مجموعة الحوادث في يوم القيامة، و أيّا كانت فإنّ عظمتها واضحة.
ثمّ يضيف تعالى: نَذِيراً لِلْبَشَرِ. [٣] لينذر الجميع و يحذرهم من العذاب الموحش الذي ينتظر الكفّار و المذنبين و أعداء الحق.
و في النهاية يؤكّد مضيفا أنّ هذا العذاب لا يخص جماعة دون جماعة، بل:
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ فهنيئا لمن يتقدم، و تعسا و ترحا لمن يتأخر.
و احتمل البعض كون التقدم إلى الجحيم و التأخر عنه، و قيل هو تقدم النفس
[١]- «أسفر» من مادة (سفر) على وزن (قفر) و يعني انجلاء الملابس و انكشاف الحجاب، و لذا يقال للنساء المتبرجات (سافرات) و هذا التعبير يشمل تشبيها جميلا لطلوع الشمس.
[٢]- «كبر»: جمع كبرى و هي كبيرة، و قيل المراد بكون سقر إحدى الطبقات الكبيرة لجهنّم، هذا المعنى لا يتفق مع ما أشرنا إليه من قبل و كذا مع الآيات.
[٣]- «نذيرا»: حال للضمير في «أنّها» الذي يرجع إلى سقر، و قيل هو تمييز، و لكنه يصح فيما لو كان النذير مصدرا يأتي بمعنى (الإنذار)، و المعنى الأوّل أوجه.