الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٤ - تأثير الدعاء و المناجاة في أعماق الليل
و يضيف في الآية الأخرى: إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا.
أي إنّك مشغول بهداية الخلق و إبلاغ الرسالة و حلّ المشاكل المتنوعة، و لا مجال لك بالتوجه التام إلى ربّك و الانقطاع إليه بالذكر، فعليك بالليل و العبادة فيه.
و هناك معنى أدق و تفسير يناسب الآيات السابقة أيضا هو: أنّك تتحمل في النهار مشاغل ثقيلة و مساعي كثيرة، فعليك بعبادة الليل لتقوى بها روحك و تستعد للفعاليات و النشاطات الكثيرة في النهار.
«سبح»: على وزن مدح، و تعني في الأصل الحركة و الذهاب و الإيّاب، و يطلق على السباحة لما فيها من الحركة المستمرة، و كأنّه يشبه المجتمع الإنساني بالمحيط اللامتناهي الذي يغرق فيه الكثير من الناس، و أمواجه المتلاطمة تتحرك في كل الجهات، و فيها من السفن المضطربة التي تبحث عن الملجأ الأمين، و الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو المنجي الوحيد للغريق، و قرآنه سفينة النجاة الوحيدة في هذا المحيط، فعلى هذا السباح العظيم أن يهيء نفسه يوميا بالعبادة الليلة لإتمام هذه المهمّة و الرسالة العظيمة.
و بعد الإشارة إلى العبادة الليلية، و الإشارة الإجمالية إلى آثارها العميقة يذكّر القرآن بخمسة أوامر اخرى مكملة لتلك فيقول: وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ.
و الطبيعي أنّ المراد ليس ذكر الاسم فحسب، بل التوجه إلى المعنى، لأنّ الذكر اللفظي مقدمة للذكر القلبي، و الذكر القلبي يبعث على صفاء القلب و الروح و يروي منهل المعرفة و التقوى في القلب.
المراد ب «الربّ» هو الإشارة إلى التوجه إلى النعم اللامتناهية و ذلك عند الإتيان بذكره المقدس، و أن يكون ذكره ملازما مع التوجه إلى تربيته تعالى شأنه لنا، و يبيّن بعض المفسّرين مراحل لذكر الربّ تعالى.
المرحلة الاولى: ذكره تعالى كما أشير إلى ذلك.
المرحلة الثّانية: الذكر القلبي لذاته المقدسة، كما هو في الآية (٢٠٥) من