الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩ - خلقكم اللّه من الأرض كالنبات
يبدأ أوّلا بالسماء فيقول: أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [١] «طباقا»: مصدر من باب (مفاعلة) بمعنى «مطابقة»، و أحيانا تأتي بمعنى وضع الشيء فوق شيء آخر، و تأتي أحيانا أخرى بمعنى مطابقة و مماثلة شيئين أحدهما مع الآخر، و المعنيان يصدقان هنا.
و ما طبق للمعنى الأوّل أنّ السماوات بعضها فوق بعض، و كما قلنا في سابقا حسب تفسير السموات السبع فإنّ كل ما نراه من الكواكب المتحركة و الثابتة بالعين المجرّدة أو غيرها هي من السماء الاولى، ثمّ تليها السموات الست الأخرى متطابقة بعضها فوق الأخرى، و لم يصل علم الإنسان إلى هذه المرتبة فعلا، و لكن يمكن في المستقبل أن يتطور علم الإنسان فيكشف ما في السموات من عجائب الواحدة بعد الأخرى [٢].
و على الاحتمال الثّاني فإنّ القرآن يشير إلى مطابقة و تناسق السماوات السبع في النظم و العظمة و الجمال.
ثمّ يضيف: وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً [٣].
صحيح أنّ في السماوات السبع مليارات من الكواكب المضيئة و التي هي أكثر ضياء من الشمس، و لكن ما يهمنا و ما يؤثر في حياتنا هي هذه الشمس و كذلك القمر، هذه المنظومة الشمسية التي تضيء الشمس فيها بالنهار و القمر بدوره ينير الليل.
التعبير بالسراج للشمس و بالنور للقمر هو أنّ نور الشمس ينشأ من ذاتها كالسراج، و أمّا نور القمر فإنّه ليس من باطنه بل انعكاس لنور الشمس، و لهذا فإنّ
[١]- «طباقا»: يحتمل أن يكون مفعول مطلق أو حال.
[٢]- أوضحنا الكلام في التفاسير المختلفة للسماوات السبع في ذيل الآية (٢٩) من سورة البقرة.
[٣]- من هنا أنّ ضمير «فيهنّ» و الذي يرجع في الظاهر إلى «السماوات السبع» لا يثير مشكلة لأنّ الخطاب في النور و الضياء هو لنا، لأجل هذا لا يلزم أن نجعل «في» بمعنى «مع» أو نجعل الضمير «هن» بمعنى «السماء الدنيا» (فتدبّر).