الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٢ - سبب النّزول
و للأسباب التالية:
أوّلا: على فرض صحة ما نسب إلى النّبي في إعراضه عن الأعمى و إقباله على شخصيات قريش، فإنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بفعله ذلك لم يقصد سوى الإسراع في نشر الإسلام عن هذا الطريق، و تحطيم صف أعدائه.
ثانيا: إنّ العبوس أو الانبساط مع الأعمى سواء، لأنّه لا يدرك ذلك، و بالإضافة إلى ذلك فإنّ «عبد اللّه بن ام مكتوم» لم يراع آداب المجلس حينها، حيث أنّه قاطع النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مرارا في مجلسه و هو يسمعه يتكلم مع الآخرين، و لكن بما أنّ اللّه تعالى يهتم بشكل كبير بأمر المؤمنين المستضعفين و ضرورة اللطف معهم و احترامهم فإنّه لم يقبل من رسوله هذا المقدار القليل من الجفاء و عاتبه من خلال تنبيهه على ضرورة الاعتناء بالمستضعفين و معاملتهم بكل لطف و محبّة.
و يمثل هذا السياق دليلا على عظمة شأن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فالقرآن المعجز قد حدد لنبيّ الإسلام الصادق الأمين أرفع مستويات المسؤولية، حتى عاتبه على أقل ترك للأولى (عدم اعتنائه اليسير برجل أعمى)، و هو ما يدلل على أنّ القرآن الكريم كتاب إلهي و أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صادق فيه، حيث لو كان الكتاب من عنده (فرضا) فلا داعي لاستعتاب نفسه ...
و من مكارم خلقه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- كما ورد في الرواية المذكورة- إنّه كان يحترم عبد اللّه بن ام مكتوم، و كلما رآه تذكر العتاب الرّباني له.
و قد ساقت لنا الآيات حقيقة أساسية في الحياة للعبرة و التربية و الاستهداء بها في صياغة مفاهيمنا و ممارستنا، فالرجل الأعمى الفقير المؤمن أفضل من الغني المتنفذ المشرك، و أنّ الإسلام يحمي المستضعفين و لا يعبأ بالمستكبرين.
و نأتي لنقول ثانية: إنّ المشهور بين المفسّرين في شأن النّزول، هو نزولها في شخص النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لكن ليس في الآية ما يدل بصراحة على هذا المعنى.