الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٩ - إن لم يؤمنوا بالقرآن فبأيّ حديث يؤمنون؟!
هذا الخطاب موجّه لهم في الدنيا.
في الحقيقة أنّ المتقين يستضافون في الآخرة بكامل الاحترام و التقدير، و يخاطبون بهذه الجملة المليئة باللطف و الحنان: كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً و أمّا عبيد الدنيا فإنّهم يخاطبون بجملة تهديدية في هذه الدنيا: كُلُوا وَ تَمَتَّعُوا قَلِيلًا.
يقول للمتقين: بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ و يقول لهؤلاء أيضا: إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [١].
و على كل حال فإنّها تشير إلى أنّ مصدر العذاب الإلهي هو عمل الإنسان و ذنبه، الناشئ من عدم الإيمان أو الأسر في قبضة الشهوات.
ثمّ يكرر التهديد بجملة: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هم أولئك الذين غرّروا و خدعوا بزخارف الدنيا و لذاتها و شهواتها و اشتروا عذاب اللّه.
و أشار في الآية الأخرى إلى عامل آخر من عوامل الانحراف و التعاسة و التلوث، و قال: وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ.
قال كثير من المفسّرين: إنّ هذه الآية نزلت في «ثقيف» حين أمرهم النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالصلاة فقالوا: لا ننحني فإنّ ذلك سبّة علينا،
فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا خير في دين ليس فيه ركوع و سجود» [٢].
إنّهم لم يأبوا الركوع و السجود فحسب، بل إنّ روح الغرور و الكبر هذه كانت منعكسة على جميع أفكارهم و حياتهم، فما كانوا يسلّمون للّه، و لا لأوامر النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و لا يقرّون بحقوق الناس، و لا يتواضعون للّه تعالى و للناس.
في الحقيقة أنّ هذين العاملين (الغرور و حب الشهوة) من أهم عوامل
[١]- لهذه الآية حذف و تقديره على قول مجمع البيان: (كلوا و تمتعوا قليلا فإن الموت كائن لا محالة) و لكن يبدو أن التقدير الأنسب هو (كلوا و تمتعوا قليلا و انتظروا العذاب فإنّكم مجرمون).
[٢]- مجمع البيان، ج ١٠، ص ٤١٩ و نقل هذا المعنى أيضا الآلوسي في روح المعاني و القرطبي في تفسيره و الزمخشري في الكشّاف و روح البيان ذيل الآية التي هي مورد البحث.