الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠١ - لا قدرة لهم للدفاع و لا طريقا للفرار
السيئة.
(انطلقوا): من مادة (انطلاق) و هو الانتقال من غير مكث، و يظهر منه كذلك الحرية المطلقة، و هذا في الحقيقة توضيح لحالهم في عرصة المحشر إذ يوقفوهم للحساب مدّة طويلة، ثمّ يتركونهم و يقال لهم: انطلقوا إلى جهنّم من غير مكث أو توقف. و من الممكن أن يكون المتكلم هنا هو اللّه تعالى، أو ملائكة العذاب، و على كلّ حال فإنّه سياق ممزوج بالتوبيخ الشديد الذي يعتبر بحدّ ذاته عذابا مؤلما.
ثمّ يعمد إلى مزيد من التوضيح حول هذا العذاب، فيقول سبحانه: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ: توجهوا نحو ظلّ من دخان خانق له ثلاث شعب:
شعبة من الأعلى، و شعبة من الجهة اليمنى، و شعبة من الجهة اليسرى، و على هذا الأساس فإنّ دخال النّار المميت هذا يحيط بهم من كل جانب و يحاصرهم.
ثمّ يقول تعالى: لا ظَلِيلٍ وَ لا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ فليس في هذا الظل راحة، و لا يمنع من الاحتراق بالنّار لأنّه نابع من النّار.
و ربّما كان التعبير ب (ظل) سببا لتصور وجود الظل الذي يخفف من حرارة النّار، و لكنّ هذه الآية تنفي هذا التصور و تقول: ليس هذا الظل كما تتصورون، أنّه ظل محرق و خانق، و ناتج من دخان النّار الغليظ الذي يعكس حرارة اللهب بصورة كاملة [١] و يشهد على هذا الحديث قوله تعالى في سورة الواقعة حول أصحاب الشمال: فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لا بارِدٍ وَ لا كَرِيمٍ. [٢] و قيل: إنّ هذه الشعب الثلاث هي انعكاس للتكذيبات الثلاثة لأساس الدين، و هي التوحيد و النبوّة و المعاد، لأنّ تكذيب المعاد لا ينفصل عن التكذيب بالنبوّة و التوحيد، و قيل، إنّها إشارة إلى مبادئ الذنوب الثلاثة: القوّة الغضبية و الشهوية
[١]- (لا ظليل): صفة ل (ظل) و لهذا جاء مجرورا.
[٢]- الواقعة، ٤٢- ٤٤.