الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٠ - تحذير مع بيان السبيل!!
و قد ورد نظير هذا المعنى في الآية (١٣٣) من سورة الأنعام إذ يقول: وَ رَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ.
ثمّ أشار تعالى إلى جميع البحوث الواردة في هذه السورة و التي تشكل بمجموعها برنامجا متكاملا للحياة السعيدة، فيقول تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا [١].
إن علينا إيضاح الطريق، لا اجباركم على اختيار الطريق، و عليكم تمييز الحق من الباطل بما لديكم من العقل و الإدراك، و اتخاذ القرار بإرادتكم و اختياركم، و هذا في الحقيقة تأكيدا على ما جاء في صدر السورة في قوله: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً.
و قد يتوهّم بعض السذّج من العبارة أعلاه أنّها تعني التفويض المطلق للعباد، فجاءت الآية التالية لتنفي هذا التصور و تضيف: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً [٢].
و هذا في الحقيقة إثبات لأصل مشهور هو (الأمر بين الأمرين)، إذ يقول من جهة: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ فعليكم أن تختاروا ما تريدون، و يضيف من جهة أخرى: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ أي ليس لكم لاستقلال الكامل، بل إن قدرتكم و استطاعتكم و حريتكم لا تخرج عن دائرة المشيئة الإلهية، و هو قادر على أن يسلب هذه القدرة و الحرية متى شاء.
من هذا يتّضح أنّه لا جبر و لا تفويض في الأوامر، بل إنّها حقيقة دقيقة و ظريفة بين الأمرين، أو بعبارة أخرى: إنّها نوع من الحرية المرتبطة بالمشيئة
[١]- قيل أن في الآية حذف، و التقدير: (فمن شاء اتخذ إلى رضى ربّه سبيلا) و لكن الحق عدم احتياج الآية للتقدير، لأن جميع طرق التكامل تنتهي إلى اللّه تعالى.
[٢]- جمع من المفسرين قالوا أن جملة (إن يشاء اللّه) محلها من الإعراب منصوبة على الظرفية فيكون المعنى: (ما تشاءون إلا وقت مشيئة اللّه) و يحتمل أن التقدير هنا (شيئا) فيكون المعنى: (و ما تشاءون إلا شيئا يشاء اللّه).