الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٣ - الإنسان نعم الحكم لنفسه
أوّلا: المراد هو ما قدم من الأعمال في حياته، أو الآثار الباقية منه بعد موته، ممّا ترك بين الناس من السنن الصالحة و السيئة و التي يعملون و يسيرون بها و وصول حسناتها و سيئاتها إليه. أو الكتب و المؤلفات و الأبنية القائمة على الخير و الشرّ، و الأولاد الصالحين و الطالحين التي تصل آثارهم إليه.
و الثّاني: يمكن أن يراد به الأعمال الأولى التي أتى بها. و الأعمال الأخيرة التي أتى بها في عمره، و بعبارة أخرى أنّه ينبّأ بجميع أعماله.
و الثّالث: أنّ المراد هو ما قدم من ماله لنفسه و ما ترك لورثته، و قيل: ما قدم من الذنوب، و ما أخر من طاعة اللّه أو بالعكس.
و الوجه الأوّل هو الأنسب، لما
ورد عن الإمام الباقر عليه السّلام في تفسير « (ينبّؤ) بما قدم من خير و شرّ، ما أخر من سنّة ليس بها من بعده فإن كان شرّا كان عليه مثل وزرهم، و لا ينقص من وزرهم شيئا، و إن كان خيرا كان له مثل أجورهم، و لا ينقص من أجورهم شيئا» [١].
ثم يضيف في الآية الأخرى و يقول: إنّ اللّه و ملائكته يطلعون العباد على أعمالهم، و إن كان لا يحتاج إلى ذلك، لأنّ نفسه و أعضاءه هم الشهود عليه في ذلك اليوم، فيقول تعالى: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَ لَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ.
سياق هذه الآيات في الحقيقة هو نفس سياق الآيات التي تشير إلى شهادة الأعضاء على أعمال الإنسان، كالآية (٢٠) من سورة فصلت حيث يقول اللّه تعالى: شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
و الآية (٥) من سورة يس: وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.
و على هذا فإنّ أفضل شاهد على الإنسان في تلك المحكمة الإلهية للقيامة
[١]- تفسير البرهان، ج ٤، ص ٤٠٦ و مثله في تفسير القرطبي، ج ١٠، ص ٦٨٩١.