الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٧ - لم هذا العدد من أصحاب النّار؟
ثمّ تعود مباشرة بعد ذكر هذه الآية إلى التأكيد على تلك الأهداف الثلاثة، إذ يعتمد مجددا على إيمان أهل الكتاب، ثمّ المؤمنين، ثمّ على اختبار الكفّار و المشركين، فيقول: وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [١].
و أمّا من يقصد به في قوله: الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فقيل المراد منهم المنافقون، لأنّ هذا التعبير كثيرا ما ورد فيهم في آيات القرآن كما هو في الآية (١٠) من سورة البقرة التي تتحدث حول المنافقين بقرينة الآيات السابقة لها و اللاحقة حيث نقرأ: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً و بهذا الدليل تمسكوا بمدنية الآية السابقة، لأنّ المنافقين نشؤوا في المدينة عند اقتدار الإسلام و ليس بمكة، و لكن تحقيق موارد ذكر هذه العبارة في القرآن الكريم يشير إلى أنّ هذه العبارة غير منحصرة بالمنافقين، بل أطلقت على جميع الكفّار و المعاندين و المحاربين لآيات الحقّ، و عطفت أحيانا على المنافقين حيث يمكن أن يكون دليلا على ثنائيتهم، فمثلا نقرأ في الآية (٤٩) من سورة الأنفال:
إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ و كذا في الآيات الأخرى، لذا ليس هناك دليل على نفي مكية الآية، خصوصا لما من توافق و ارتباط كامل من الآيات السابقة لها و التي تشير بوضوح إلى مكيّتها.
ثمّ يضيف حول كيفية استفادة المؤمنين و الكفّار الذين في قلوبهم مرض من كلام اللّه تعالى: فيقول تعالى: كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.
إنّ الجمل السابقة تشير بوضوح إلى أنّ المشيئة و الإرادة الإلهية لهداية البعض و إضلال البعض الأخر ليس اعتباطا، فإنّ المعاندين و الذين في قلوبهم
[١]- يجب الالتفات إلى أنّ اللام في (ليستيقن) هي لام التعليل و في (ليقول) لام العاقبة و يمكن أن يكون قد تكرر لهذا الدليل في حين لو كان بمعنى واحد لما كان هناك ضرورة للتكرار، و بعبارة اخرى أن تيقن المؤمنين هو لإرادة و أمره، و أمّا حديث الكفّار فليس من إرادته و أمره تعالى شأنه، بل هو عاقبة هذا الأمر.