الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٩ - ذرني و المكذبين المستكبرين
شأنه: وَ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلًا.
أي دعني و ايّاهم، و اترك عقابهم لي و مهلهم قليلا. لتتمّ الحجّة عليهم و لتظهر ماهيتهم الحقيقية، و يثقلوا ظهورهم بالخطايا فعندها يحلّ عليهم غضبي.
و لم يمض كثير حتى ازدادت شوكة المسلمين، و وجهوا ضرباتهم القوية لأعداء الرسالة، و ذلك في معارك بدر و حنين و الأحزاب، و بالتالي كان العذاب الإلهي ينتظرهم في البرزخ، حتى يخلدوا بعد ذلك في النّار في يوم القيامة.
و التعبير ب «أولي النعمة» إشارة الغرور و الغفلة الناجمة من كثرة الأموال و الثروة المادية، و لهذا يذكرهم القران في النصف الأوّل من المخالفين على طول تاريخ الأنبياء، و في الحقيقة أنّ هذه الآية مشابهة للآية (٣٤) من سورة سبأ حيث يقول تعالى: وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ في حين أنّ هؤلاء لا بدّ أن يلبوا دعوة الحق قبل غيرهم ليشكروا اللّه على ما أنعم عليهم بهذا الوسيلة.
ثمّ يقول مصرّحا: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَ جَحِيماً.
«الأنكال»: جمع (نكل)، على وزن (فكر) و هي السلاسل الثقال، و أصلها من نكول الضعف و العجز، أي أنّ الإنسان يفقد الحركة بتقييد أعضائه بالسلاسل.
نعم، لقد تنعموا في الدنيا و أخذوا حريتهم المطلقة، و لهذا لا بدّ لهم من القيود و النّار.
و كذا يضيف: وَ طَعاماً ذا غُصَّةٍ وَ عَذاباً أَلِيماً.
هذا مصير من كان يتلذذ بالطعام بعكس ما كان طعامهم في الدنيا الحرام، حيث العذاب الأليم، و لمّا تمتع به المغرورون و المستكبرون من الراحة غير المشروعة في هذه الدنيا، و الطعام الموصوف بالغصّة هو بحدّ ذاته عذاب أليم، ثمّ يتبع ذلك بذكر العذاب الأليم على انفراد، و هذا يشير إلى أنّ أبعاد العذاب الاخروي الذي لا يعلم شدّته و عظمته إلّا اللّه تعالى، و لهذا ورد في حديث أنّ